الاقتصاد السوري في يناير 2026: تحديات متجذرة وآمال نفطية متعثرة

ملخص لأبرز التحديات والتحولات الاقتصادية في سوريا خلال يناير 2026

  • تدهور حاد في القوة الشرائيةاستمرار تآكل قيمة الليرة السورية أدى إلى انخفاض غير مسبوق في القدرة الشرائية للمواطنين، مما أثر بشكل مباشر على السلع الأساسية والمعيشة اليومية.
  • صعود الذهب وتقلبات الصرفشهد شهر يناير ارتفاعاً قياسياً في أسعار الذهب وتقلبات حادة في سعر صرف الليرة مقابل الدولار، مما عكس حالة عدم اليقين الاقتصادي ودفع المواطنين للبحث عن ملاذات آمنة.
  • نفط الشرق وبارقة أملاستعادة السيطرة على حقول النفط والغاز في المنطقة الشرقية قدم دفعة إيجابية للاقتصاد، مع توقعات بزيادة الإنتاج وإيرادات الدولة، رغم أن تأثيرها على المواطن لا يزال محدوداً بسبب العقوبات والتحديات الهيكلية.

شهد الاقتصاد السوري خلال شهر كانون الثاني (يناير) 2026 فترة حاسمة اتسمت بتصاعد التحديات على الصعيد المعيشي، مع تقلبات واسعة في الأسواق المالية والسلعية، مقابل بارقة أمل ظهرت في قطاع الطاقة. هذا التحقيق الصحفي يتعمق في أبرز الجوانب التي طبعت المشهد الاقتصادي السوري خلال هذا الشهر، مستنداً إلى تقارير محلية ودولية.

القوة الشرائية في مهب الريح: تدهور مستمر وتحديات معيشية:

لا يزال تدهور القوة الشرائية يشكل التحدي الأبرز للمواطنين السوريين. في يناير 2026، استمرت الأجور الحقيقية في التآكل، حيث انخفضت بنسب حادة تصل إلى 85% منذ عام 2011، نتيجة للانخفاض المستمر في قيمة الليرة السورية التي فقدت أكثر من 98% من قيمتها. تشير التقديرات المحلية إلى أن القوة الشرائية للأسر السورية تراجعت بنسبة 15-20% مقارنة بشهر يناير من العام السابق. هذا الانحدار جعل شراء السلع الأساسية، مثل الغذاء والدواء، أمراً بالغ الصعوبة، وانتشرت الشكاوى من ارتفاع الأسعار في الأسواق الشعبية بدمشق وحلب. يرجع هذا التدهور بشكل أساسي إلى الضغوط التضخمية الناجمة عن نقص في الصناعة المحلية وارتفاع تكاليف الوقود، مما جعل الدخل الشهري للعامل العادي غير كافٍ لتغطية أبسط الاحتياجات.

تقلبات سعر الصرف والضغط على العملة الوطنية:

شهد سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية، وخاصة الدولار الأمريكي، تقلبات حادة ودراماتيكية خلال شهر يناير 2026. في 31 كانون الثاني، تراوح سعر الدولار بين 11,550 و11,620 ليرة للشراء والبيع في مناطق مثل إدلب، ووصل إلى 11,800 ليرة في أسواق أخرى. ورغم تثبيت سعر الصرف الرسمي عند مستويات أقل (11,000 للشراء و11,110 للبيع)، إلا أن هذا السعر لم يعكس الواقع في السوق الموازية، حيث ارتفع الطلب على الدولار بنسبة 10% بسبب المخاوف المتزايدة من التضخم. هذه التقلبات أثرت سلباً على حركة التجارة الخارجية وزادت من الاعتماد على التحويلات المالية من الخارج كمصدر رئيسي للعملة الصعبة.

الذهب كملاذ آمن: ارتفاع قياسي ومخاوف من الانهيار:

في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي وتآكل قيمة الليرة، لجأ العديد من السوريين إلى الذهب كملاذ آمن للحفاظ على قيمة مدخراتهم. شهد شهر يناير 2026 ارتفاعاً قياسياً في أسعار الذهب، حيث بلغ سعر جرام الذهب عيار 21 نحو 137.70 دولار أمريكي في 31 كانون الثاني. في الأسواق المحلية، سجل عيار 21 حوالي 1,486,000 ليرة للبيع، بينما وصل عيار 18 إلى نفس القيمة تقريباً، مما يمثل ارتفاعاً بنسبة 5% عن أوائل الشهر. هذا الارتفاع، الذي شابه تقلبات يومية، دفع المواطنين نحو الذهب، مما زاد الضغط على الأسعار وعكس مخاوف من انهيار أوسع لليرة.

التضخم: أرقام متضاربة وواقع مؤلم:

تتفاوت التقديرات الرسمية لمعدل التضخم بشكل كبير، حيث تشير بعض الإحصائيات إلى وصوله إلى 35%، بينما يرى محافظ المصرف المركزي أنه لا يتجاوز 15%. بغض النظر عن الأرقام الدقيقة، يظل الواقع على الأرض مؤلمًا للمواطنين، حيث تشير التوقعات الاقتصادية إلى أن ارتفاعات الأسعار ستؤثر سلبًا على القدرة الشرائية وتزيد من تكاليف المعيشة.

تحليلات اقتصادية رئيسية:

لتقديم صورة أوضح للتحديات والفرص الاقتصادية في سوريا خلال يناير 2026، يمكننا تحليل بعض المؤشرات الرئيسية. يُظهر الرادار التالي تقييماً لعدة عوامل تؤثر على الاقتصاد، بينما يُسلط الرسم البياني بالشرائط الضوء على التحديات المحددة.

يُظهر هذا الرسم البياني الراداري تقييمًا لعدة مؤشرات اقتصادية في سوريا خلال يناير 2026، على مقياس من 0 إلى 5. يشير الرقم 1 إلى وضع صعب للغاية، بينما 5 يمثل وضعًا ممتازًا. يُلاحظ تدهور كبير في القوة الشرائية واستقرار الليرة وتوفر السلع، مع بعض التحسن في الإنتاج النفطي.

 

يوضح هذا الرسم البياني بالشرائط شدة التحديات الاقتصادية الرئيسية التي واجهت سوريا في يناير 2026، على مقياس من 1 إلى 10. تشير القيم الأعلى إلى تحديات أكثر حدة.

 

تأثير استعادة حقول النفط في المنطقة الشرقية: بارقة أمل أم تحدٍ جديد؟

في تطور مهم خلال يناير 2026، استعادت الحكومة السورية السيطرة على حقول رئيسية للنفط والغاز في المنطقة الشرقية، بما في ذلك حقول عمر والتنّك والجفرة والرصافة وصفيان في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور. تُعد هذه المنطقة غنية بالثروات النفطية والغازية، وتشكّل ركيزة أساسية لإعادة رسم خريطة الاقتصاد السوري. تُقدر الاحتياطيات المؤكدة من الغاز بنحو 285 مليار متر مكعب، ويستخرج جزء كبير من الغاز المصاحب للنفط من هذه الحقول.

تهدف هذه الاستعادة إلى تلبية متطلبات الاستهلاك المحلي للطاقة أولاً، ثم الانتقال تدريجياً إلى التصدير. وقد أظهر البنك الدولي مراجعة إيجابية لتوقعات النمو الاقتصادي في سوريا لأول مرة منذ أكثر من 12 عاماً، مرجعاً ذلك جزئياً إلى عودة الإنتاج النفطي والغازي. زادت استعادة بعض الحقول، مثل تلك في دير الزور، من الإنتاج اليومي بنحو 20,000 برميل. تسعى الشركة السورية للبترول إلى إعادة الحقول إلى وضعها التشغيلي، مع توقعات بوصول إنتاج النفط إلى نحو 100 ألف برميل يومياً خلال أربعة أشهر.

ومع ذلك، لم ينعكس هذا التحسن بشكل كامل على الأسعار المحلية بسبب العقوبات الدولية وصعوبة التصدير، مما أدى إلى بيع جزء كبير من الإنتاج محلياً بأسعار منخفضة. ورغم توفير وقود محدود للمحطات، إلا أن الأزمة الكلية للطاقة لم تتراجع بشكل كبير، وزادت هذه التطورات من التوترات السياسية مع الأطراف المعنية في المنطقة.

تحديات إعادة التأهيل والتوترات الإقليمية:

بالرغم من الآمال المعقودة على استعادة حقول النفط، فإن هذه الخطوة لا تخلو من التحديات. فالحقول تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة النطاق بسبب الأضرار التي لحقت بها جراء النزاع، مما يتطلب استثمارات ضخمة وخبرات فنية. بالإضافة إلى ذلك، تظل التوترات الإقليمية مصدر قلق، حيث يمكن أن تؤثر على استقرار هذه المناطق وعمليات الإنتاج.

فواتير الكهرباء والاستياء الشعبي: عبء متزايد:

على الرغم من التحسن الجزئي في إنتاج النفط وربط الشبكات الكهربائية، أثارت فواتير الكهرباء المرتفعة خلال شهر يناير 2026 استياءً شعبياً واسعاً في سوريا. ارتفعت فواتير الكهرباء بنسبة وصلت حتى 800% خلال الشهر، حيث بلغ متوسط الفاتورة للدورة الواحدة للأسرة مليون ليرة سورية، مقارنة بأقل 100,000 ليرة سابقاً. يُعزى هذا الارتفاع إلى زيادة أسعار الوقود المستورد، مما فاقم من الأعباء المعيشية على المواطنين. تعالت المطالبات بخفض أسعار الكهرباء أو تعديلها بما يتناسب مع مستوى الدخل المحدود للمواطنين، وحدثت مظاهرات محدودة في دمشق. ورغم وعود السلطات بالمراجعة، إلا أن نقص الشفافية زاد من الغضب الشعبي، مما يعكس فجوة بين الإيرادات الحكومية والقدرة الشرائية المتدهورة.

تحديات القطاع الإنتاجي والنمو الاقتصادي:

يواجه القطاع الإنتاجي في سوريا تحديات كبيرة، خاصة قطاع الدواجن الذي يشهد مرحلة مفصلية. فبينما تسعى المؤسسة العامة للدواجن لتأمين المدخلات الأساسية للإنتاج، هناك تحذيرات من مؤشرات تهدد استمرارية الإنتاج واستقرار الأسعار.

إصلاحات نقدية: استبدال الليرة والمضاربة على السيولة:

في سياق الإصلاحات المالية والنقدية، أعلنت الحكومة السورية عن برنامج لاستبدال الليرة السورية القديمة (الأوراق ذات التصميم قبل 2020) بالليرة الجديدة، بهدف مكافحة التزييف وتنظيم التدفق النقدي. ومع ذلك، أدى هذا البرنامج إلى شح حاد في الليرة الجديدة بالأسواق، حيث تأخر توزيعها في البنوك. هذا التأخير دفع بعض التجار إلى المضاربة عليها بسعر أعلى بنسبة 20% في السوق السوداء. أبلغ المواطنون في حلب عن صعوبة الحصول على النقود للمعاملات اليومية، مما زاد من الاعتماد على الدولار وأثار شائعات عن تلاعب حكومي. ساهم هذا الشح في تفاقم التقلبات الصرفية، مع تقارير عن خسائر تصل إلى ملايين الليرات للتجار الصغار، ودعوات لتسريع عملية الاستبدال لتجنب أزمة نقدية أكبر.

الموازنة العامة وغياب الأرقام الرسمية:

تُظهر الموازنة العامة لسوريا لعام 2026 غياباً للمرة الثانية على التوالي، مما يدفع البلاد للاستمرار بالعمل بالموازنة “الاثني عشرية” في ظل عدم انعقاد البرلمان لإقرار موازنة جديدة. يُعد هذا تحدياً هيكلياً كبيراً، حيث يستحوذ الإنفاق الأمني والعسكري على 40% من الإنفاق العام، بينما انخفضت حصة قطاعي الصحة والتعليم من الموازنة من 22% إلى 8% فقط. كما تزايد العجز في الميزان التجاري بشكل ملحوظ، حيث ارتفعت الواردات من تركيا وحدها إلى 2.56 مليار دولار في عام 2025 بزيادة 69.6%.

التحديات المالية الهيكلية ومؤشرات التضخم:

تختلف النسب الرسمية لمعدل التضخم بشكل جوهري؛ فبينما تشير بعض الإحصائيات إلى أن معدل التضخم وصل إلى 35%، يتحدث حاكم المصرف المركزي عن نسبة 15%، وهي نسبة تعتبر مبالغاً فيها وفقاً لآراء الخبراء. هذا التباين يعكس عدم وضوح في البيانات الاقتصادية ويزيد من صعوبة اتخاذ قرارات مستنيرة. القيادة السورية الجديدة أصدرت قرارات مهمة، منها السماح بتداول العملات الأجنبية والدولار في التعاملات التجارية، بعد أن كان النظام السابق يجرّم هذا التعامل. ولكن، تحديات السيولة وتأمين النقد الأجنبي لا تزال قائمة، مما يفتح الباب أمام المضاربات.

خلاصة التحديات الاقتصادية في يناير 2026:

يلخص الجدول التالي أبرز التحديات الاقتصادية التي واجهت سوريا في يناير 2026، مع تأثيرها الرئيسي:

خريطة ذهنية للوضع الاقتصادي السوري في يناير 2026:

لتوضيح الترابط بين التحديات المختلفة، نقدم خريطة ذهنية تلخص الوضع الاقتصادي في سوريا خلال يناير 2026:

توفر هذه الخريطة الذهنية نظرة شاملة على التحديات الاقتصادية الرئيسية في سوريا خلال يناير 2026، وتوضح العلاقة بين مختلف العوامل المؤثرة.

 

الخاتمة:

يكشف المشهد الاقتصادي السوري في يناير 2026 عن تعقيدات وتحديات عميقة الجذور، تتراوح بين تدهور القوة الشرائية وتقلبات العملة وارتفاع الأسعار، إلى جانب تحديات هيكلية في إدارة الموارد والموازنة. ورغم أن استعادة حقول النفط في المنطقة الشرقية تقدم بصيص أمل لتعزيز إيرادات الدولة، إلا أن تأثيرها المباشر على حياة المواطنين لا يزال محدوداً بسبب العقوبات الدولية والصعوبات اللوجستية. يبقى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين رهناً بمعالجة هذه التحديات الهيكلية والنقدية بشكل شامل وفعال.

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.