خارج أروقة المحاكم: كيف يحل السوريون نزاعاتهم اليومية
تشهد الحياة اليومية في سوريا طيفًا واسعًا من النزاعات المرتبطة بعقود العمل، ومشكلات الإيجار، وعدم تسديد المستحقات المالية، إضافة إلى خلافات تعاقدية في الأنشطة التجارية الصغيرة. وعلى الرغم من الطابع القانوني الواضح لكثير من هذه القضايا، فإن جزءًا كبيرًا منها يُدار خارج الإطار القضائي، عبر وساطات غير رسمية أو تسويات خاصة، غالبًا من دون توثيق قانوني أو مسار واضح.
يقول عامل في القطاع الخاص، فضّل عدم ذكر اسمه، بعد فصله من عمله دون تعويض: “القضية ما بتستاهل محامي ولا سنتين محاكم، الخسارة أكبر من الحق”، في تعبير يعكس منطقًا شائعًا لدى كثير من السوريين في التعامل مع النزاعات.
كلفة التقاضي مقابل قيمة النزاع
يصف المحامي زاهر كعدي هذا النمط من القرارات الفردية بأنه أحد أبرز أسباب العزوف عن اللجوء إلى القضاء، موضحًا أن الموازنة بين قيمة الحق المتنازع عليه وكلفة التقاضي غالبًا ما تدفع المتضرر إلى البحث عن بدائل.
ويقول كعدي إن طول أمد القضايا لا يعني فقط تأخير صدور الأحكام، بل يشكّل استنزافًا زمنيًا وماديًا يجعل صاحب الحق يعيد حساباته، مضيفًا أن “التأخير المستمر يفرغ العدالة من مضمونها ويدفع الناس إلى حلول بديلة، حتى وإن كانت غير آمنة”.
إجراءات معقّدة ومسارات ملتوية
في كثير من الحالات، تبدأ محاولات حل النزاع بتفاهم مباشر بين الطرفين، ثم قد يتدخل وسيط محلي أو شخص مقرّب من أحدهما. ومع تعثر هذه المسارات، يلجأ بعض المتضررين إلى نشر قضاياهم على منصات التواصل الاجتماعي بحثًا عن ضغط عام، بينما يبقى القضاء خيارًا مؤجلًا أو مستبعدًا.
يروي “أبو حامد”، وهو مستأجر في ريف دمشق، أن صاحب المنزل رفض إعادة وديعة الإيجار بعد انتهاء العقد. وبعد فشل التفاهم المباشر والوساطة، استبعد اللجوء إلى القضاء، معتبرًا أن أتعاب المحامي وحدها قد تتجاوز قيمة المبلغ، فضلًا عن أن طول أمد القضية قد يفقد المبلغ قيمته بفعل تراجع سعر الليرة السورية.
وإلى جانب الكلفة، يشير كعدي إلى تعقيد الإجراءات، معتبرًا أن “التشبث المفرط بالروتين يقيّد عمل القاضي، حتى في القضايا التي يكون فيها الحق واضحًا”، لافتًا إلى أن الإجراءات الشكلية تتحول أحيانًا إلى سبب مباشر لضياع الحقوق.
فساد متراكم وإرث ثقيل
ويأتي هذا الواقع في سياق سجل طويل من ضعف الثقة بالمؤسسات القضائية. فقد أظهر تقرير مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية أن سوريا حصلت على 12 نقطة فقط من أصل 100، ما يضعها ضمن الدول الأكثر فسادًا عالميًا.
وبحسب تقارير حقوقية، فإن مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد ورثت تحديات عميقة تتعلق باستقلال القضاء وغياب ضمانات حماية الحقوق، وهو ما يتطلب معالجة هذا الإرث المؤسسي قبل استعادة ثقة المجتمع بالمسارات العدلية.
فجوة بين النص القانوني والتطبيق
يقدّم كعدي مثالًا على تدخلات إجرائية تعقّد التقاضي، مشيرًا إلى قضايا تثبيت شراء العقارات، حيث يُلزم القاضي بإحالة الدعوى إلى مديرية المالية لتحصيل الضرائب قبل الفصل في النزاع، رغم أن تحصيل الضريبة يفترض أن يأتي بعد ثبوت الحق.
ويرى أن مثل هذه الإجراءات تعزز شعور المواطنين بأن القضاء طريق مليء بالعوائق، ما يدفعهم إلى البحث عن أي مسار آخر لحل النزاع، حتى وإن كان محفوفًا بالمخاطر.
وساطات اجتماعية ودينية
إلى جانب الوساطات الفردية، تلعب المرجعيات الاجتماعية والدينية دورًا في احتواء النزاعات، لا سيما في بعض المناطق. ففي جرمانا بريف دمشق، يشير سكان محليون إلى دور لعبه شيوخ ورجال دين في تهدئة توترات أمنية شهدتها المنطقة خلال شهر نيسان الماضي، عبر الدعوة إلى ضبط النفس وفتح قنوات تواصل بين الأطراف.
ويؤكد هؤلاء أن هذا النوع من “الوساطة الاجتماعية” يسهم في منع تصعيد الخلافات، ويُستخدم أحيانًا لضبط نزاعات داخلية لا تصل إلى المحاكم.
المنصات الرقمية كبديل عن القضاء
برزت منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا بعد سقوط نظام الأسد، كمساحة أساسية لعرض الشكاوى والنزاعات، سواء المتعلقة بالاعتقال، أو الاستيلاء على عقارات، أو الخلافات الإدارية.
وأصبح توجيه المناشدات العلنية ونشر مقاطع فيديو مطوّلة أسلوبًا شائعًا للضغط على الجهات المعنية، خاصة في القضايا التي تحظى بتفاعل واسع. وخلال الأيام الماضية، تداول مستخدمون تسجيلات لسيدتين تديران مركزي تجميل في دمشق، اشتكيتا من إغلاق منشآتهما بقرار إداري، ووجّهتا مناشدات مباشرة عبر المنصات الرقمية دون الإشارة إلى مسار قضائي.
ويرى متابعون أن هذا المسار يعكس واقعًا تُدار فيه بعض القضايا بمنطق “الترند” أكثر من منطق القانون، رغم أن آخرين يعتبرونه مؤشرًا على استجابة حكومية أحيانًا للضغط الشعبي.
نمط قديم بأدوات جديدة
يقول صاحب محل تجاري صغير، في سياق حديثه عن الضرائب والمخالفات التموينية: “كنا نعرف شو ديته بالنظام المخلوع، أما الحالي فلا نعرف”، في إشارة إلى الرشوة التي كانت تُدفع كتكلفة متوقعة لتجاوز المشكلات.
وتعكس هذه العبارة خبرة اجتماعية متراكمة في إدارة النزاعات خارج القانون، باعتبارها مسارات متوقعة الكلفة والنتائج، وهي خبرة لم تختفِ مع تغير السياق السياسي، بل أعادت إنتاج نفسها بأدوات مختلفة.
قراءة اجتماعية أوسع
ترى الباحثة الاجتماعية سيليا أبو شقرا أن هذا السلوك لا يمكن قراءته كتصرفات فردية معزولة، بل كجزء من نمط اجتماعي أوسع، مشيرة إلى غياب دراسات حديثة ترصد الظاهرة بشكل علمي.
وتوضح أن فهم علاقة السوريين بالقانون اليوم يتطلب النظر إلى عاملين رئيسيين: البنية الاجتماعية التقليدية، والتجربة التاريخية مع مؤسسات الدولة. فمن جهة، لا يزال تأثير العشيرة قويًا، خاصة في الريف والبادية، بوصفها آلية للضبط الاجتماعي وحل النزاعات. ومن جهة أخرى، لم تُبنَ الدولة السورية الحديثة على عقد اجتماعي يضمن العدالة والمواطنة المتساوية، بل على نظام سياسي جرى فيه تسييس القضاء وإلحاقه بالسلطة التنفيذية.
وتضيف أن ضعف الثقة بالقضاء ظاهرة بنيوية ناتجة عن تاريخ طويل من تغوّل النفوذ على القانون، بالتوازي مع حضور قوي للبنى التقليدية، ما يفسر استمرار أنماط إدارة النزاع خارج الأطر الرسمية حتى بعد تغيّر السياقات السياسية.
تحسن نسبي وحاجة لإصلاح أعمق
يشير كعدي إلى أن صورة القضاء السلبية ترسخت خلال عقود، حيث شاع الاعتقاد بأن استعادة الحقوق عبر المحاكم أمر شبه مستحيل، في ظل انتشار الرشوة واعتبارها جزءًا من الواقع.
وفي المقابل، يلفت إلى خطوات إيجابية بعد سقوط النظام من بينها رفع رواتب القضاة وموظفي السلك القضائي، ما أسهم في الحد من بعض مظاهر الفساد. إلا أنه يؤكد أن هذه الخطوات غير كافية دون إصلاحات إجرائية أعمق، خاصة في ملف التبليغ، الذي قد يحوّل الدعوى إلى مسار طويل بلا جدوى حقيقية.
اقرأ أيضاً:قسد تقرّ بمقتل 21 شخصاً بريف حلب وتُحيل عنصراً للمحاكمة