تصريحات الشرع في موسكو تفتح نقاشًا واسعًا حول السياسة والذاكرة

أثار خطاب ألقاه الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع في موسكو، تضمّن إشادة بروسيا و”شجاعة جنودها”، موجة واسعة من الجدل بين السوريين، انعكست بشكل واضح على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين من اعتبر التصريحات جزءًا من براغماتية سياسية تفرضها المرحلة، ومن رأى فيها خطابًا صادمًا لذاكرة جماعية ما زالت مثقلة بتجربة التدخل الروسي في سوريا.

وجاء الجدل عقب لقاء جمع الشرع بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، الأربعاء، حيث تحولت بعض العبارات الواردة في الكلمة الترحيبية إلى محور نقاش سياسي وأخلاقي واسع.

عبارات تشعل النقاش

وخلال كلمته، قال الشرع مخاطبًا الرئيس الروسي: “عند قدومي من المطار رأيت كمية كبيرة من الثلج على الطريق في طريقنا إلى الكرملين، فتذكرت التاريخ في الماضي، وعدد الحملات العسكرية التي حاولت الوصول إلى موسكو، وكيف فشلت بسبب شجاعة الجنود الروس، وكيف ساعدتكم الطبيعة أيضًا في الدفاع عن هذه الأرض المباركة”.

هذه العبارات سرعان ما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها البعض زلة تعبير غير محسوبة في سياق شديد الحساسية، فيما رأى آخرون أنها رسالة دبلوماسية مقصودة، تحمل دلالات سياسية تتجاوز بعدها الإنشائي.

انقسام في التقييم

في المقابل، عبّر قطاع واسع من السوريين عن استيائهم من مضمون الخطاب، معتبرين أن الإشادة بروسيا تتجاهل دورها العسكري في سوريا خلال السنوات الماضية، بوصفها الحليف الأبرز للرئيس السوري السابق بشار الأسد، وارتبط تدخلها بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا ودمار واسع في مدن ومناطق عدة.

ويرى منتقدو الخطاب أن أي مقاربة سياسية جديدة مع موسكو لا يمكن فصلها عن هذا الإرث، ولا عن الذاكرة الجمعية للسوريين الذين عايشوا آثار القصف والتدخل العسكري الروسي.

انتقادات حقوقية

في هذا السياق، وجّه المحامي والناشط الحقوقي ميشال شماس انتقادات حادة لتصريحات الشرع، معتبرًا أنها “غير مفهومة ولا يمكن تبريرها”، بحسب تعبيره.

وقال شماس إن الإشادة بـ”شجاعة الجنود الروس” تتجاهل حقيقة أن هؤلاء الجنود أنفسهم شاركوا، وفق توصيفه، في قصف مدن سورية وسقوط عشرات آلاف الضحايا، متسائلًا عن منطق الإشادة بصمود موسكو في مقابل تجاهل صمود مناطق سورية، مثل إدلب، التي تعرضت لقصف مكثف من الطيران الروسي.

وأضاف أن وصف موسكو بـ”الأرض المباركة” يثير تساؤلات عميقة لدى كثير من السوريين، معتبرًا أن الطائرات والصواريخ التي انطلقت من هناك كانت سببًا مباشرًا في معاناة واسعة داخل سوريا.

وأشار شماس إلى أن هذا الخطاب لم يكن مفهومًا لدى شريحة كبيرة من السوريين، ولا سيما سكان المخيمات والمناطق المتضررة من العمليات العسكرية، موضحًا أن عدم تقبل هذه التصريحات لا يعود إلى “غياب الفهم السياسي”، بل إلى عدم نسيان ما وصفه بـ”الدماء التي سُفكت”.

واعتبر أن السياسة قد تفرض أحيانًا لغة دبلوماسية هادئة، لكنها لا تعني، برأيه، محو الذاكرة أو تجاوز كرامة الضحايا.

دفاع عن البراغماتية السياسية

في المقابل، دافع آخرون عن تصريحات الرئيس السوري، معتبرين أن ما صدر عنه يندرج في إطار العمل السياسي، الذي قد يفرض أحيانًا استخدام لغة مختلفة عن الخطاب الشعبي أو الحقوقي.

ويرى هؤلاء أن من حق القيادة السياسية اعتماد خطاب يخدم مصالح الدولة، ويهدف إلى تحقيق مكاسب دبلوماسية أو اقتصادية أو أمنية، معتبرين أن الإشادة لا تعني بالضرورة تبرئة روسيا من ماضيها في سوريا، بل قراءة واقعية لموازين القوى ومتطلبات المرحلة.

واعتبر مؤيدو هذا الطرح أن تصريحات الشرع لا تشكّل جريمة سياسية أو أخلاقية، بل تعكس محاولة لإدارة العلاقات الدولية بطريقة براغماتية، في سياق إعادة تموضع سوريا إقليميًا ودوليًا.

تساؤلات حول المعايير الداخلية

ورغم إقرار بعض المنتقدين بإمكانية فهم الخطاب ضمن إطار دبلوماسي واقعي، شددوا في الوقت نفسه على ضرورة اتساق هذا المنطق مع السياسات الداخلية.

ويرى هؤلاء أن فتح صفحة جديدة مع موسكو، رغم ثقل الماضي، يطرح تساؤلات حول استمرار ممارسات داخلية تُبرر بالاستناد إلى أحداث سابقة، مثل ملف المعتقلين المصنّفين تحت عنوان “عناصر النظام النظام”.

ويعتبر منتقدون أن المصالحة الخارجية مع قوى صنعت جزءًا من الماضي السوري لا يمكن فصلها عن مقاربة داخلية أكثر شمولًا، مؤكدين أن “التعامل البراغماتي مع الخارج” ينبغي أن يقابله مسار واضح لاحترام الحقوق والحريات في الداخل.

جدل مفتوح

ويعكس هذا الجدل، وفق متابعين، حالة الانقسام الواسعة في المجتمع السوري بين متطلبات السياسة الواقعية من جهة، وحساسية الذاكرة الجماعية والعدالة من جهة أخرى، في مرحلة انتقالية ما زالت مليئة بالأسئلة حول شكل الدولة، وحدود المصالحة، ومعايير التعامل مع الماضي داخليًا وخارجيًا.

اقرأ أيضاً:تصريح “شجاعة الجنود الروس” يفجّر غضب السوريين: جدل واسع حول تصريح الشرع في موسكو

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.