جنوب سوريا بين “الوقاية الإسرائيلية” وعودة الدوريات الروسية

تتعامل إسرائيل بعد أحداث 7 أكتوبر بسياسة أمنية تقوم على مبدأ “الوقاية المسبقة”، ما يدفعها إلى التحرك منفردة لترسيم البيئة الأمنية في جنوب سوريا. وتشمل هذه المقاربة سلسلة من الانتهاكات والتوغلات، إضافة إلى عمليات اعتقال وتضييق على السكان، فضلًا عن ضربات جوية متواصلة. وكانت عملية التوغل الأخيرة في بلدة بيت جن مثالًا واضحًا على هذا النهج، إذ واجهها الأهالي بمقاومة مسلحة أسفرت عن 13 شهيداً جراء القصف الإسرائيلي.

ورغم التسريبات التي تتحدث عن استعداد روسيا لإعادة نشر قواتها جنوبي سوريا، لا تُظهر إسرائيل أي رغبة في وجود طرف يمكنه تقييد حركتها، بحسب محللين سياسيين، إذ تسعى للحفاظ على هامش واسع للتحرك دون التزامات أو تفاوض.

عودة الدوريات الروسية… بالون اختبار أم خطوة فعلية؟

سبق لـ “إسرائيل أن تعاملت مع الوجود الروسي في المنطقة دون اعتراض، خصوصًا بعد انتشار القوات الروسية في ثماني نقاط عسكرية ضمن منطقة فضّ الاشتباك على حدود الجولان السوري المحتل في أكتوبر 2024.

وخلال الأشهر الماضية، أعادت موسكو طرح فكرة إرسال دوريات روسية كقوة فصل بين الحكومة السورية و”إسرائيل”، لكن دمشق لم تقدّم موافقتها حتى الآن، وفق ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية “كان”.

ويرى الباحث السياسي أيمن الدسوقي أن الحديث عن إعادة الدوريات الروسية لا يتجاوز كونه اختبارًا للتوازنات السياسية، بينما تؤكد الانتهاكات الإسرائيلية أن تل أبيب مصممة على صياغة الواقع الأمني بنفسها، دون الاتكاء على قوة أخرى تقلّص تفوقها.

وفي المقابل، يرى المحلل الروسي ديمتري بريجع في تصريح لجريدة “عنب بلدي” أن الدوريات الروسية ستكون بلا جدوى إن لم تأتِ ضمن صيغة سياسية سورية جديدة تعيد الاعتبار للدولة الوطنية، مؤكدًا أن موسكو تحاول من خلال هذا الطرح إثبات أنها لا تزال لاعبًا مؤثرًا لا يمكن تجاوزه في الجنوب.

إسرائيل ترسخ وجودها العسكري… و9 نقاط جديدة بعد سقوط النظام السابق:

منذ سقوط النظام السوري السابق في ديسمبر 2024، أقامت إسرائيل تسع نقاط عسكرية جديدة داخل المنطقة المنزوعة السلاح، وتنفذ يوميًا:

1- توغلات عسكرية بمدرعات وعربات مسلحة

2- تجريفًا للأراضي والغطاء النباتي

3- إقامة سواتر ترابية

4- تضييقًا على السكان ومنعهم من العمل في أراضيهم

الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” نوار شعبان قباقيبو يرى أن إعادة نشر القوات الروسية لو حصلت، فإنها ستكون ضمن منطقة أصبحت عمليًا مسرح عمليات لـ “إسرائيل، ما يطرح تساؤلات حول الدور الفعلي الذي يمكن أن تلعبه موسكو.

ويؤكد شعبان أن إسرائيل قد تضبط بعض الانتهاكات في حال تمركز الروس، لكنها لن تتراجع عن المكاسب التي حققتها خلال العام الماضي.

ماذا يعني نشر الدوريات الروسية لـ “إسرائيل والولايات المتحدة؟

“إسرائيل”: ضبط لا انسحاب

يرى الباحث الدسوقي أن قبول الدوريات الروسية قد يسهم في تقليل ذرائع الجيش الإسرائيلي، لكنه لن يدفع تل أبيب للانسحاب من المنطقة التي تعتبرها خط دفاع أساسيًا بعد 7 أكتوبر.

الولايات المتحدة: براغماتية وحذر

تتبع الولايات المتحدة سياسة براغماتية تجاه الجنوب السوري. ووفق مصادر أمريكية نقلها موقع “أكسيوس”، تضغط واشنطن على إسرائيل لمنعها من توسع العمليات بما يهدد مصالحها الإقليمية، لكنها في الوقت ذاته لا تمانع وجود روسيا كلاعب يساهم في ضبط التوتر.

ويشير الدسوقي إلى وجود سابقة للتنسيق الأمريكيالروسي في الجنوب، كما حدث في اتفاق 2018 الذي سمح بانتشار روسي على الحدود بترتيب لا يمس أمن “إسرائيل”.

مكاسب روسيا المحتملة من العودة إلى الجنوب:

يرى محللون أن موسكو تسعى من خلال إعادة انتشارها إلى:

1- استعادة نفوذها في سوريا بعد سقوط النظام السابق

2- تعزيز أوراقها التفاوضية مع الحكومة السورية الجديدة، خصوصًا في ملفات القواعد العسكرية والاقتصاد

3- لعب دور الوسيط الأمني بين سوريا و”إسرائيل”

4- تقديم نفسها كطرف قادر على ضبط الحدود وتجنب الصدامات الكبرى في الشرق الأوسط

ويقول ديمتري بريجع إن روسيا تستخدم الجنوب كورقة تأثير على ثلاثة مستويات: الإقليمي، الدولي، والداخلي السوري.

خلاصة المشهد:

يشهد جنوب سوريا اليوم صراعًا متجددًا على النفوذ بين:

1- “إسرائيل” التي تريد “حزامًا آمنًا” داخل الأراضي السورية

2- روسيا التي تسعى لإثبات وجودها كقوة ضامنة

3- الولايات المتحدة التي تضبط التوازن البراغماتي بين الطرفين

وفي ظل غياب تسوية سياسية سورية شاملة، يبقى الجنوب ساحة مفتوحة لإعادة التموضع العسكري، ومعركة مستمرة على من يملك مفاتيح الأمن والقرار في واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الشرق الأوسط.

إقرأ أيضاً: توتر متصاعد بعد هجوم بيت جن: رسائل إسرائيلية قاسية للشرع

إقرأ أيضاً: نتنياهو يزور جنوب سوريا المحتل برسائل مباشرة لدمشق وواشنطن وأنقرة

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.