أزمة الهوية في سوريا: ملايين المواطنين بين أوراق مؤقتة و”بطاقة شخصية جديدة” قيد الإعداد
تتفاقم أزمة الهوية الشخصية في سوريا يوماً بعد يوم، حيث تتكدس أمام دوائر السجل المدني قصص مواطنين يبحثون عن وثيقة رسمية تثبت وجودهم في دولة يشوب إداراتها ارتباك واضح. فالهوية الوطنية، التي يفترض أن تكون أبسط وثيقة حكومية، اختفت من حياتهم منذ أشهر، ليحل مكانها قيد مؤقت يتجدد باستمرار، ومعاملات لا تنتهي، وقلق يزداد مع تأخر صدور البطاقة الجديدة.
طلاب الجامعات بين طوابير لا تنتهي ووثائق تتجدّد باستمرار:
علاء خانكان، طالب هندسة في جامعة دمشق، يقف أسبوعياً أمام طوابير السجل المدني لإثبات هويته. ويقول لـ”العربي الجديد” إنه يضطر في كل معاملة جامعية للعودة إلى المختار والبلدية لاستخراج قيد فردي جديد، وكأن عليه أن يعرّف عن نفسه في كل خطوة، فيما أصبحت حياته الدراسية معلّقة بورقة مؤقتة لا تدوم سوى أسابيع.
فرص العمل مهددة بسبب توقف إصدار الهويات:
معاناة السوريين الباحثين عن عمل ليست أقل. فـخلود عبيدو، خريجة اللغة العربية، لم تتمكن من التقدّم إلى وظيفة في وزارة الإعلام لأنها لا تملك صورة مصدّقة عن هويتها الشخصية. ورغم علم الموظفين بتوقّف إصدار الهويات، فإنهم لا يقدمون أي بديل معتمد. وتشير إلى أن العديد من المتقدمين فقدوا فرصهم الوظيفية للسبب ذاته، رغم معرفـة المؤسسات الرسمية باستحالة استخراج هوية جديدة حالياً.
السوريون في الخارج أمام تعقيدات أكبر:
أما في الخارج، فالوضع أكثر تعقيداً. فـمحمد أمادر، المقيم في هولندا، تراجع عن خطة زيارة عائلته خشية تأثير دخوله سوريا بجواز السفر فقط على وضعه القانوني في هولندا. ويقول إنه فقد بطاقته قبل مغادرته سوريا، ولا يمكنه الحصول على بديل عبر السفارة، كما أن استخراج قيد فردي خارجي يتطلب تصديق الخارجية السورية، وهو أمر شبه مستحيل لمن لا يستطيع السفر.
مشروع هوية جديدة… وتوجه نحو نموذج مختلف تماماً:
مصدر داخل مديرية الشؤون المدنية في دمشق يكشف لـ”العربي الجديد” أن توقف إصدار الهويات ليس مجرد عطل تقني، بل جزء من مشروع لإعادة تصميم البطاقة الشخصية. ويجري منذ أشهر إعداد نماذج جديدة، مع نية استبدال جميع الهويات في سوريا خلال الفترة المقبلة.
ويشير المصدر إلى وجود مقترح مثير للجدل قيد النقاش: إضافة خانة الدين على البطاقة الشخصية (مسلم، مسيحي، موحّد)، وهو طرح لم يُحسم بعد.
ويؤكد أن السوريين كانوا يستخدمون نموذجين مختلفين للهوية:
1- بطاقة قديمة سهلة الكسر ولا تحمل بيانات كافية.
2- بطاقة أحدث صادرة في مناطق “حكومة الإنقاذ” مزودة بشريحة بيانات.
لكن كليهما خرج من الخدمة بسبب تعطل 45 آلة طباعة، فيما تعمل المديرية على شراء آلات جديدة وصيانة الشبكة الإلكترونية استعداداً لإطلاق الهوية الجديدة.
خبراء: أزمة الهوية تضرب العلاقة بين المواطن والدولة:
الخبير الإداري عبد الرحمن تيشوري يرى أن المشكلة أعمق من مجرد تعطّل تقني. ويقول إن عجز المؤسسات عن توفير وثيقة أساسية مثل الهوية يخلق فجوة حقيقية بين الفرد والدولة، ويعزز الشعور بالعجز وانعدام الثقة. كما يحذر من أن إدخال معلومات دينية على الهوية سيكون له أثر اجتماعي وقانوني كبير، لأنها ليست مجرد ورقة وإنما تمثل صلة المواطن بالمؤسسة الرسمية.
أزمة هوية تبحث عن حل… ومواطنون عالقون في منطقة رمادية:
وبين انتظار نموذج جديد لم يُقرّ بعد، وحياة تعتمد على أوراق مؤقتة محدودة الصلاحية، يعيش ملايين السوريين في حالة ضبابية لا يعلمون متى تنتهي. فالمشكلة لم تعد أزمة ورق أو آلات طباعة، بل أصبحت أزمة إدارة وهوية مؤسسية بالكامل.
إقرأ أيضاً: داريا نموذجاً.. ضياع السجلات العدلية يهدد ممتلكات آلاف السوريين
إقرأ أيضاً: سوريا بلا هوية: كيف محيَ شعبٌ من السجلات؟