اقتصاد السوق بين الشعارات وواقع “التسعير”

تشهد الأسواق السورية حالة من الارتباك المزمن كلما تحرك سعر صرف الدولار، إذ تتوالى الارتفاعات السريعة في أسعار السلع والمواد الأساسية بنسب تفوق منطق السوق، فيما تغيب الانخفاضات المقابلة عند تحسن سعر الصرف. وعلى الرغم من إعلان الحكومة التوجه نحو اقتصاد السوق الحر وترك الأسعار لآليات العرض والطلب، إلا أن الواقع يعكس صورة مختلفة: أسعار شبه موحدة، منافسة محدودة، ورقابة رسمية مقتصرة على الفواتير والجودة دون التدخل المباشر في التسعير.

المستهلك الحلقة الأضعف

المستهلك السوري، الذي يُفترض أن يكون المستفيد الأول من التحرير الاقتصادي، يجد نفسه أمام خيارات محدودة وأسعار ترتفع في اتجاه واحد تقريباً، دون انعكاس حقيقي لقوانين المنافسة. وتقتصر تدخلات وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك على متابعة الشكاوى، ضبط الفروقات بين الجملة والمفرق، وتشديد الرقابة على الأسعار “الفاحشة”، بحسب ما أوضحه مدير حماية المستهلك حسن الشوا لموقع “تلفزيون سوريا”.

وأشار الشوا إلى تكثيف الجولات الرقابية المفاجئة في المحافظات، وسحب عينات من المواد للتأكد من مطابقتها للمواصفات، إضافة إلى تفعيل ثقافة الشكوى بين المواطنين، مؤكداً أن هذه الإجراءات ساهمت في تعزيز الثقة بدور الرقابة التموينية، وإن كانت محدودة التأثير أمام تقلبات السوق الكبيرة.

غياب المرجعية النقدية

محمد الحلاق، نائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً، يرى أن غياب الدور الفعّال للمصرف المركزي في تثبيت سعر الصرف يمثل أحد أبرز أسباب الفوضى الحالية. فالسوق يعتمد في تسعير الدولار على المنصات الإلكترونية والسوق السوداء، بينما يظل السعر الرسمي غامضاً وغير مستقر.

ويضيف الحلاق أن الصناعيين والتجار يضعون هوامش ربح مرتفعة لتعويض التكاليف الباهظة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة، انقطاع الكهرباء، وتكاليف تشغيل بدائل الطاقة. ويضرب مثالاً بسعر ربطة الخبز الذي قفز من 200 ليرة إلى 4000 ليرة، مرهقاً الأسر السورية.

ورغم توفر معظم السلع في الأسواق، إلا أن حجم المبيعات والاستهلاك انخفض بشكل واضح، ما أدى إلى زيادة الأعباء على التجار، ودفعهم إلى رفع الأسعار لتعويض الخسائر، في ظل غياب التوازن بين العرض والطلب.

منافسة غير ناضجة

الحلاق يشير إلى أن السوق السورية لم تصل بعد إلى مرحلة المنافسة الحقيقية، إذ لا تزال تعاني من تشوهات مرتبطة بضعف التنسيق بين العرض والطلب، واستمرار وجود بضائع دخلت عبر التهريب. ويرى أن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً غير مكتمل من “اقتصاد السوق الاجتماعي” إلى “اقتصاد السوق الحر”، وهي عملية تحتاج إلى سنوات حتى تستقر.

ويكشف الحلاق أن آلية التسعير في بعض القطاعات تتم عبر مجموعات “واتساب” بين الوكلاء والتجار، حيث تُرسل نشرات سعرية يومية تتأثر بتغيرات الصرف أو الأسعار العالمية. ويعتبر أن هذه الممارسة أصبحت طبيعية، لكنها تعكس غياب إطار مؤسساتي واضح للتسعير، ما يترك السوق عرضة للاضطراب.

غبن المستهلك

من جانبه، يرى عبد الرزاق حبزة، أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق وريفها، أن الانتقال المفاجئ من نظام التسعير المركزي إلى السوق الحر تم دون تهيئة مسبقة، ما فتح الباب أمام “الجشع” ورفع الأسعار بطريقة غير منضبطة. ويؤكد أن الفروقات بين أسواق الهال وبقية الأسواق تعكس خللاً كبيراً في آلية التسعير.

ويشير حبزة إلى وجود نوع من “الاتفاق غير المعلن” بين التجار على رفع الأسعار، محذراً من استبعاد أي تاجر يحاول الحفاظ على سعر منخفض من العملية التجارية. كما يلفت إلى استمرار تحكم عدد محدود من المستوردين القدامى بالأسواق، داعياً إلى إدخال مستوردين جدد لكسر الاحتكار وتعزيز المنافسة.

الحاجة إلى إصلاحات عميقة

المعطيات الحالية تكشف أن الضبط الحكومي يقتصر على الجانب الرقابي الإجرائي، فيما تبقى التحديات الأساسية مرتبطة بضعف السياسة النقدية، غياب المرجعية الواضحة لسعر الصرف، واستمرار الاحتكار.

ويرى خبراء أن الخروج من هذه الأزمة يتطلب إصلاحاً شاملاً يبدأ من تفعيل دور المصرف المركزي، مروراً بتحديد واضح لمفهوم “الربح الفاحش”، وانتهاءً بإعادة تفعيل قانون المنافسة ومنع الاحتكار. كما يشددون على أن استقرار الأسواق مرهون بزيادة القوة الشرائية للمستهلك، باعتباره الحلقة الأخيرة والحاسمة في سلسلة الاقتصاد.

اقرأ أيضاً:اقتصاد سوريا الجديدة: هل تنهض البلاد بلا إنتاج صناعي وزراعي؟

اقرأ أيضاً:خطوة اقتصادية جديدة: شحن أول دفعة نفطية سورية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.