فوضى في المخافر بدمشق: ضياع ملفات وغياب المهنية
بدلاً من أن تكون المخافر بوابة العدالة الأولى وواجهة تطبيق القانون، تكشف شهادات مواطنين من دمشق لموقع الحل عن واقع مغاير يتسم بالفوضى والارتجال، حيث يغيب النظام والشفافية، وتضيع حقوق المراجعين وسط ضياع الملفات وغياب التسلسل الإداري والمهني.
ألقاب شعبية بدلاً من الرتب
تقول ريم العلي، التي راجعت أحد مخافر المزة، إن ما واجهته كان بعيداً عن أي مظهر مهني:”ما عاد في عقيد أو نقيب، الكل صار شيخ أبو فلان. لما سألت عن شكواي قالوا لي الملف ضايع بين الملفات، واضطرّوني أعيد الشكوى من الأول”.
وتضيف أن طلبها بتحويل الضبط إلى الأمن الإلكتروني قوبل باستهتار:”قال لي الشيخ وهو معصب: مو شغلتك، نحن منعرف لوين”.
وتشير إلى أن ملفها ما يزال عالقاً منذ أكثر من شهر ونصف.
ضياع الشكاوى وسخرية من المتضررين
سوسن، التي تعرض منزلها للسرقة، روت أنها واجهت عراقيل متكررة:”كل شيخ كان يحيلني للتاني، وبعد معاناة كتبوا الضبط، لكن الشيخ سألني بسخرية: انتي شو عرفك إنو هو السارق؟ رغم أن الجيران شافوه”.
أما أم عمر، والدة شاب تعرّض لاعتداء، فقالت إن ضبط شكواها ضاع بالكامل واضطرت لإعادته:”كل يوم بيطلبوا أوراق جديدة وطوابع، وبالأخير قالوا لي: ما قدمتي شكوى. صرخت عليهم من القهر”.
نيرمين الأحمد بدورها صُدمت من الفوضى:”شكاوى مكدّسة عشوائياً على طاولة الشيخ أبو عمر. حتى بالمحكمة رفض القاضي الاستماع لي. وفي النهاية انحلت قضيتي بالواسطة بعد ما دلّتني محامية على شيخ أبو محمد”.
استهتار من العناصر والضباط
علي جواد من حي البرامكة واجه تجربة مشابهة: “قدمت شكوى عند شيخ أبو صالح، لكنه كان مشغولاً يشاهد فيديو على هاتفه. قال لي ببساطة: إي شو يعني؟ روح لعند أبو علي. وبعد أسبوع رجعت، ما تذكروا قصتي وبلشوا يدوروا على الضبط بين مئات الأوراق”.
محامون: غياب المهنية هو القاعدة
المحامية نوار عبد الرحمن اعتبرت أن المشكلة تتجاوز الحالات الفردية: “لا توجد أي مهنية في إدارة الملفات. حتى المحامون لا يلقون احتراماً. كثيراً ما تُوجَّه الأوراق لجهات غير مختصة، والقضايا تضيع بين المكاتب”.
وأضافت أن “غياب المهنية أصبح القاعدة لا الاستثناء”، مشيرة إلى أن معظم العاملين في المخافر من خارج دمشق، ما يزيد الارتباك بسبب عدم إلمامهم بالمدينة وأحيائها.
أزمة ثقة متفاقمة
تُظهر هذه الشهادات أزمة عميقة في بنية المخافر، إذ إن غياب الأرشفة والتسلسل الإداري، وإخفاء الرتب خلف ألقاب شعبية، كلها عوامل تفقد المؤسسات الأمنية شفافيتها ومصداقيتها. ومع تكرار ضياع الشكاوى والاستهتار بحقوق المتضررين، يتراجع اعتماد المواطنين على المخافر كمؤسسات عدالة، فيما يستمر الاعتماد على “الواسطة” كوسيلة لحل النزاعات.
ويبقى السؤال مفتوحاً: إذا كانت المخافر، باعتبارها نقطة الاحتكاك المباشر بين المواطن والدولة، تعاني هذا القدر من الفوضى، فكيف يمكن إعادة بناء الثقة بالعدالة؟ وهل يمكن أن تعود يوماً لتكون في خدمة المواطن لا عبئاً إضافياً عليه؟
اقرأ أيضاً:تصاعد حوادث الخطف والاغتيال في حماة ومساعٍ أمنية لاحتواء الوضع
اقرأ أيضا:دستور من رماد: كيف مهد الغياب السياسي لمجازر السويداء والساحل