القمح السوري.. من سلة غذاء إلى مستورد
تراجعت مكانة سوريا كمصدر رئيسي للقمح خلال العقد الأخير، بعد أن كانت تحقق الاكتفاء الذاتي وتصدّر الفائض، لتتحول اليوم إلى بلد يعتمد على الاستيراد لتغطية احتياجاته. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة تشمل تدهور البنية التحتية الزراعية، ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتأثيرات التغير المناخي، ما جعل زراعة القمح تواجه أزمات متشابكة تهدد دورها في ضمان الأمن الغذائي.
خسائر واسعة بعد سنوات الحرب
تراجع متوسط إنتاج القمح في سوريا من أكثر من 4 ملايين طن عام 2010 إلى أقل من 700 ألف طن في السنوات الأخيرة، أي بخسارة تجاوزت 70 في المئة من الإمكانات والإنتاجية. ويرى خبراء أن إنعاش هذا القطاع يحتاج إلى خطة شاملة تُعيد بناء ما دمرته الحرب وتوفر دعماً مباشراً للفلاحين.
خلال جولة لموقع تلفزيون سوريا في أرياف حلب وإدلب، أكد مزارعون أن أي “ثورة زراعية” مقبلة يجب أن تقوم على إعطاء الأولوية للقمح، عبر تأمين مستلزمات الإنتاج على شكل قروض، توفير الطاقة البديلة، ووضع أسعار شراء مجزية تشجع الفلاحين على الاستمرار.
أسباب التراجع
الباحث الزراعي علاء الجسري اعتبر أن محصول القمح يمثل “عصب الاقتصاد الزراعي” وأساس الأمن الغذائي، لكنه تراجع بشكل كبير منذ عام 2011. ويشير إلى أن تغير المناخ كان من أبرز العوامل المؤثرة، مع شح الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، ما يفرض دوراً أكبر على مراكز البحوث الزراعية لإنتاج أصناف بذار أكثر مقاومة للظروف البيئية.
وأضاف الجسري أن انخفاض سعر شراء القمح مقارنةً بتكاليف الزراعة دفع كثيراً من الفلاحين نحو محاصيل بديلة أكثر ربحاً مثل الكمون والحبة السوداء، بينما أسهمت أسعار المحروقات المرتفعة واستنزاف المياه الجوفية في زيادة الأعباء. كما أن تفاوت الأسعار بين مناطق السيطرة المختلفة زعزع ثقة المزارعين وأضعف التوسع في زراعة القمح.
وأوضح أن السعر الذي حددته الحكومة هذا العام (330 دولاراً للطن مع منحة إضافية 130 دولاراً) يُعد مقبولاً لكنه غير كافٍ، فالفلاح يتخذ قراراته بناءً على الجدوى الاقتصادية، وليس على القيمة الاستراتيجية للمحصول.
تحديات البذار والموارد المائية
أشار الجسري إلى أن أصناف البذار المحلية المتأقلمة مع المناخ شبه مفقودة حالياً، ما يستدعي إعادة تفعيل مراكز إكثار البذار. كما دعا إلى تحسين شبكات الري والسدود، خاصة تلك المتأثرة بالتحكم التركي أو إغلاق قنوات المياه من قبل قسد في بعض المناطق.
وبحسب الجسري، فإن إنعاش زراعة القمح يتطلب دعماً مباشراً للمزارعين عبر تخفيض أسعار المستلزمات، تقديم قروض زراعية، وشراء المحصول بأسعار منافسة تقلل من تدخل التجار، إضافة إلى برامج إرشاد زراعي تعزز مكانة القمح كمحصول استراتيجي.
موسم 2024/2025 في حلب
رئيس اتحاد الفلاحين في حلب عبد الوهاب السيد أوضح أن إنتاج المحافظة من القمح هذا الموسم بلغ نحو 350 ألف طن، مع اعتماد غالبية الأراضي على الزراعة المروية. وأشار إلى أن انحباس الأمطار وارتفاع تكاليف الإنتاج وإغلاق قنوات الري من قبل “قسد” شكّلت أبرز التحديات التي واجهها الفلاحون.
وبيّن أن لجنة خاصة ضمت ممثلين عن المزارعين عملت على تقدير تكلفة الكيلوغرام الواحد من القمح، وتم التسعير على أساسها (0.33 دولار للكيلو)، مؤكداً أن استعادة مكانة القمح السوري تحتاج إلى دعم طويل الأمد يشمل القروض، البذار، الأسمدة، والمبيدات.
طريق طويل نحو التعافي
تكشف هذه المعطيات أن مستقبل زراعة القمح في سوريا يعتمد على توازن معقد بين دعم الفلاحين، إصلاح السياسات الزراعية، ومواجهة التحديات المناخية. ورغم أن المحصول لا يزال حاضراً في الحقول، إلا أن استعادة مكانته كسلة غذاء للبلاد تحتاج إلى سنوات من الدعم والسياسات المستقرة لضمان أمن غذائي مستدام.
اقرأ أيضاً:اقتصاد سوريا الجديدة: هل تنهض البلاد بلا إنتاج صناعي وزراعي؟