قرارات ترخيص مكاتب الشحن الجوي في سوريا تثير جدلاً واسعاً وتحذيرات من إقصاء شركات عريقة
أثارت القرارات التنظيمية الجديدة الخاصة بترخيص مكاتب الشحن الجوي في سوريا حالة واسعة من الجدل في أوساط رجال الأعمال والعاملين في قطاع النقل والخدمات اللوجستية، وسط تحذيرات متزايدة من أن تؤدي هذه الشروط إلى إخراج شركات ذات خبرة طويلة من السوق السوري.
ويأتي هذا الجدل في وقت بالغ الحساسية، إذ يمر الاقتصاد السوري بمرحلة دقيقة لا يزال فيها يعاني من تداعيات حرب طويلة، وتراجع حاد في الاستثمارات والسيولة، وضعف بيئة الأعمال، ما يجعل أي قرارات تنظيمية ذات أثر مباشر على فرص التعافي الاقتصادي.
تحذيرات من آثار إقصائية:
ويؤكد مختصون أن السياسات الاقتصادية في هذه المرحلة يُفترض أن تركز على دعم القطاعات الحيوية القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد، لا فرض أعباء إضافية قد تؤدي إلى تعميق الأزمة.
وفي هذا السياق، حذّر رجل الأعمال السوري خلدون الخولي من التداعيات الخطيرة للشروط الجديدة المفروضة على ترخيص مكاتب الشحن الجوي، معتبرًا أنها تفتقر إلى المنطق المهني والاقتصادي، ولا تنسجم مع واقع السوق السورية أو مع التجارب الإقليمية والدولية.
وأشار الخولي إلى أن هذه القرارات تطرح تساؤلات جوهرية حول أهدافها وتوقيتها، وما إذا كانت تهدف فعلاً إلى تنظيم القطاع ورفع جودة الخدمات، أم أنها ستؤدي عملياً إلى إعادة تشكيل السوق بطريقة إقصائية.
مقارنة مع أسواق طيران متقدمة:
وأوضح الخولي أنه بصفته صاحب مكتب شحن مرخص في دولة الإمارات العربية المتحدة، يدفع رسوم ترخيص سنوية لا تتجاوز 6 آلاف درهم في واحد من أكثر أسواق الطيران تنظيماً ورقابةً في العالم، في حين يُطلب من مكاتب الشحن في سوريا دفع رسوم تصل إلى 25 ألف دولار أميركي مقدماً عن ثلاث سنوات.
واعتبر أن فرض هذه الالتزامات المالية الثقيلة في سوق غير مستقرة اقتصادياً يتعارض مع أبسط مبادئ تشجيع الاستثمار واستدامة الأعمال.
كما انتقد اشتراط الترخيص لثلاث سنوات دفعة واحدة، معتبراً أنه خروج عن الممارسات المعتمدة عالمياً، حيث تعتمد معظم الدول نظام الترخيص السنوي القابل للتجديد والمراجعة بما يراعي المخاطر ويمنح الشركات مرونة تشغيلية.
أعباء مالية تهدد استمرارية الشركات:
ورأى الخولي أن فرض كفالة مالية بقيمة 100 ألف دولار على وكيل شحن لا يملك صلاحيات تشغيلية تتعلق بالطائرات أو المطارات أو الأمن الجوي، لا يحقق قيمة تنظيمية حقيقية، بل يشكل عبئاً مالياً يهدد بقاء الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وأشار إلى أن دولاً مثل الإمارات، السعودية، الأردن، تركيا، قطر، وحتى لبنان رغم أزمته الاقتصادية، لا تفرض مثل هذه الشروط، على الرغم من أن معايير السلامة والحوكمة فيها أعلى بكثير.
وتساءل عن الأساس المهني والاقتصادي الذي يجعل هذه المتطلبات ضرورية في سوريا تحديداً، في وقت لا تعتمدها أسواق أكثر تعقيداً وتنظيماً.
مخاوف من احتكار وتقليص المنافسة:
وحذّر الخولي من أن الأثر العملي لهذه القرارات سيكون إخراج عدد كبير من الشركات القائمة من السوق، وحصر النشاط بيد فئة محدودة قادرة على تحمل الأعباء المالية المرتفعة، ما يؤدي إلى تقليص المنافسة، وارتفاع كلفة خدمات الشحن الجوي، وتحميل المستهلك النهائي أعباء إضافية.
وأضاف أن هذه النتائج ستُضعف قطاعاً يُفترض أن يكون رافعة أساسية للتجارة والتصدير وإعادة الإعمار في سوريا.
تنظيم أم إقصاء مقنّع؟
وتوقف الخولي عند طريقة صدور القرار وشكله، معتبراً أن الشكل الرسمي والتوقيع أوحيا وكأنه مرسوم سيادي لا قرار إداري صادر عن جهة تنظيمية محدودة الصلاحيات، ما فتح باب التساؤلات حول التناسب بين الشكل والسند المؤسسي الحقيقي.
وأكد أن الانطباع السائد في أوساط العاملين في قطاع الشحن الجوي هو أن هذه الشروط لا تُطبّق بمعايير عامة ومجردة، بل تبدو وكأنها مصممة على مقاس جهات محددة، ما يؤدي فعلياً إلى إقصاء شركات عريقة ذات تاريخ طويل من الالتزام والخبرة في السوق السورية.
دعوة لتنظيم عادل ومتوازن:
وختم الخولي بالتأكيد على أن الاعتراض لا يستهدف مبدأ التنظيم بحد ذاته، بل يعترض على تنظيم غير عادل يُثقل قطاعاً حيوياً يُفترض أن يكون جزءاً من الحل الاقتصادي.
وشدد على أن الأسواق لا تُدار بالإقصاء ولا تُبنى بالاستعراض، وأن الاستقرار الاقتصادي الحقيقي يتطلب تشريعات متوازنة وعادلة تحمي المنافسة وتحتضن الخبرات الوطنية، بدل دفعها إلى الخروج من السوق في واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية حساسية في تاريخ سوريا.
إقرأ أيضاً: خلف وعود المليارات.. حقائق تقنية تشكك في جدوى النفط السوري كمنقذ اقتصادي
إقرأ أيضاً: خبير اقتصادي: فواتير الكهرباء المرتفعة تعمّق الفقر وتضر بالاقتصاد السوري وسعر الصرف