التحول الاقتصادي في سوريا خلال العام الأول من إدارة أحمد الشرع: إعادة بناء أم إعادة إنتاج النفوذ؟
شهدت سوريا خلال العام الأول من إدارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع تحولات اقتصادية عميقة أعادت رسم خريطة النفوذ المالي والتجاري في البلاد، وسط مرحلة سياسية غير مكتملة المعالم. ومع انهيار البنية الاقتصادية الموروثة من السلطة السابقة، برزت حاجة ملحّة لإعادة تشغيل مؤسسات الدولة ورفع كفاءة القطاعات الحيوية مثل الطاقة، التجارة، والاستثمار.
ورغم التخوفات من دخول البلاد في فراغ اقتصادي واسع، تكشف المعطيات أن شبكة نفوذ جديدة آخذة بالتشكل داخل المشهد الاقتصادي السوري، مما يثير سؤالًا جوهريًا: هل يشهد الاقتصاد السوري تحولًا بنيويًا فعليًا؟ أم أننا أمام إعادة إنتاج للنموذج القديم ولكن بوجوه جديدة؟
نقل الملكية بدل تحرير السوق: صعود دائرة النفوذ الجديدة:
تشير القرارات الحكومية والتغييرات الميدانية إلى أن ما يحدث ليس تحريرًا للسوق بقدر ما هو إعادة توزيع للملكية والنفوذ. فبدل فتح المجال أمام المنافسة، يجري تصميم الاقتصاد لصالح دائرة ضيقة تدين بالولاء المطلق للرئيس الجديد، مما يطرح السؤال الأخطر، عن ما إذا تم اسقاط “إمبراطورية الأسد“ ليشهد السوريون ولادة “إمبراطورية الشرع“؟، وفق موقع “الحل نت”.
وتعزز تقرير لوكالة “رويترز“ هذا الاتجاه بعد كشفه عن وجود لجنة اقتصادية سرية يقودها شقيق الرئيس الشرع، تتمتع بصلاحيات تتجاوز وزير الاقتصاد وحاكم المصرف المركزي. وبحسب المصادر، تمر كل الصفقات الاستثمارية الكبرى عبر مكتبه، ويُشرف على إدارة الأصول المصادرة من رجال الأعمال في عهد النظام السابق، والتي قُدِّرت بنحو 1.6 مليار دولار.
تطهير انتقائي بدل إصلاح شامل:
منذ يناير، اتخذت الحكومة الجديدة سلسلة قرارات لتجميد أصول عشرات رجال الأعمال تحت شعار “مكافحة الفساد”. وفي مايو 2025، أُنشئت لجنة “الكسب غير المشروع” لتسوية ملفات رجال الأعمال وإعادة توجيه الأصول المصادرة لصندوق ثروة سيادي.
لكن عمليات إعادة طرح هذه الأصول لم تتم عبر مزادات شفافة، بل تم تحويلها لشركات جديدة مجهولة الملكية، يُعتقد أنها واجهات لشخصيات من الدائرة المقربة من الشرع.
السيطرة على المعابر والاتصالات: إعادة تشكيل مفاصل النفوذ:
شهد قطاعا الجمارك والاتصالات تغييرات واسعة:
1. المعابر والمنافذ:
– إنشاء الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بقيادة شخصيات مقربة.
– منح “ممرات خضراء” خاصة لمستورِدين محددين.
– استمرار القيود والعراقيل على التجار المستقلين.
2. قطاع الاتصالات:
– إلغاء ترخيص المشغل الثالث (شركة وافا) الممنوح في عهد الأسد.
– منح الترخيص لتحالف اقتصادي جديد يضم شخصيات كانت تعمل مستشارين للشرع.
– اعتماد شركات مرتبطة برجال أعمال من مجلس الأعمال السوري الأميركي قام بتشغيل الجيل الخامس في إدلب، لتشغيل المشغل الثالث.
تحول اقتصادي بلا تغيير في البنية العميقة:
يؤكد الباحث الاقتصادي مازن أرشيد أن التحولات الاقتصادية خلال العام الأول اتخذت طابع “إعادة ترتيب النفوذ” أكثر من كونها تحولًا إنتاجيًا حقيقيًا. فالبنية الريعية للاقتصاد ما تزال قائمة، بينما بقي أثر المبادرات محدودًا ولم يصل إلى حياة المواطنين في المحافظات المختلفة.
ويرى أرشيد خلال حديثه لموقع “الحل نت” أن إعادة توزيع النفوذ لم تغيّر جوهر المنظومة، بل استبدلت شبكات قديمة بأخرى جديدة مرتبطة بالرئيس، دون فتح المجال أمام المنافسة أو مشاركة كل مكونات المجتمع.
كما أدت القرارات الاقتصادية الأخيرة—خصوصًا في الدعم والضرائب والطاقة—إلى زيادة الفجوة بين النخب الاقتصادية وباقي السوريين، دون وجود سياسات جادة لإعادة توزيع الفرص أو دعم المناطق الأكثر فقرًا.
رؤية بديلة: ضبط تدريجي لا قطيعة كاملة:
على الجانب الآخر، يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن العام الأول كشف عن تحول اقتصادي “هادئ ومنظم”، يهدف إلى إعادة ضبط مراكز النفوذ وليس قلبها بالكامل.
ويشير إلى أن الإدارة الجديدة اعتمدت نموذجًا يقوم على التخطيط والرقابة وتحسين مسارات الاستثمار، مع التركيز على قطاعات مثل:
– الزراعة
– الصناعة الخفيفة
– الطاقة البديلة
– النقل الداخلي
ويعتبر السيد عمر أن دخول مستثمرين جدد للسوق وفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة يشير إلى اتساع قاعدة الفاعلين الاقتصاديين لا انحصارها.
انفتاح إقليمي محسوب:
شهدت سوريا خلال العام الأول انفتاحًا إقليميًا قائمًا على “الانفتاح المحسوب” الذي يستفيد من الشراكات الخارجية دون التبعية الاقتصادية. ويسمح هذا النهج بتدفق فرص استثمارية محدودة ولكن منتظمة، مع الحفاظ على القرار الاقتصادي المركزي.
بين إعادة بناء الاقتصاد وإعادة تشكيل النفوذ:
لا يمكن اعتبار العام الأول من إدارة الشرع مرحلة إعادة بناء شاملة، لكنه يمثل تأسيسًا لمرحلة انتقالية تعيد الدولة عبرها الإمساك بالبنية الاقتصادية وتعيد توزيع النفوذ بشكل تدريجي.
ويبقى مستقبل الاقتصاد السوري مرهونًا بقدرة الإدارة على:
– تعزيز الشفافية
– مكافحة الفساد فعليًا
– ضمان استقلال القضاء
– توسعة قاعدة المستثمرين
– دمج السوريين من كل المناطق والطوائف في دورة التنمية
فعندما يشعر الجميع بأنهم شركاء في الفرص، يصبح الاستقرار ممكنًا ويولد اقتصاد قادر على النمو بعيدًا عن حسابات النفوذ الضيقة.
إقرأ أيضاً: مصادر: وزارة الداخلية تستعد لمنح رتب عسكرية لعشرات المشايخ… وتوسّع نفوذ “مجالس الظل” يثير الجدل
إقرأ أيضاً: إيكاردا و الغرامات المالية في قبضة الشيباني.. القانون السوري في مهب الهيئة السياسية