اشتباكات بيت جن: تصعيد إسرائيلي غير مسبوق يكشف تحولات الجنوب السوري
شهدت بلدة بيت جن جنوب غربي سوريا، فجر أمس، تصعيداً إسرائيلياً واسعاً بعد اندلاع مواجهة مباشرة بين خلايا مقاومة محلية وقوات الاحتلال، إثر تنفيذ دورية إسرائيلية عملية توغل لاعتقال مواطنين سوريين. وأقرت وسائل إعلام عبرية باعتقال ثلاثة سوريين خلال العملية، قبل أن تتعرض القوة الإسرائيلية لكمين محكم أدى إلى إصابة عدد من جنودها وتعطيل آليتها العسكرية، في حادثة كادت تتحول إلى عملية أسر جنود لولا التصعيد العسكري الإسرائيلي بالقصف الجوي والمدفعي الذي استهدف 20 منزلاً مدنياً.
قوات الاحتلال تقصف منازل وتمنع الإسعاف:
بعد انسحاب الدورية، تمركزت القوات الإسرائيلية شمال البلدة على تل باط الورد، وسط تحليق كثيف للطيران المروحي والاستطلاعي، وتعطيل حركة المدنيين. كما استهدف الطيران الاستطلاعي دراجة نارية تقل شابين كانا في طريقهما لإسعاف أقاربهما، فيما فرضت القوات حالة حظر منعت دخول سيارات الإسعاف والدفاع المدني.
وأدت الاعتداءات إلى موجة نزوح داخلي وإلى استشهاد 13 شخصاً حتى ظهر أمس، بينهم خمس من عائلة واحدة، مع توقعات بزيادة العدد بسبب وجود أشخاص تحت الأنقاض وعشرات الجرحى.
خسائر إسرائيلية وإرباك ميداني:
أعلنت «القناة 12» العبرية هبوط مروحية عسكرية في «مستشفى شيبا» تقل جنوداً جُرحوا في اشتباكات بيت جن، فيما اعترف جيش الاحتلال بإصابة خمسة جنود، ثلاثة منهم بحالة خطيرة.
وذكر موقع «والا» أن الجنود فرّوا من بيت جن تاركين آليتهم العسكرية، ما اضطر الطيران لقصفها. وانتقد مسؤولون في «الجبهة الشمالية» ضعف استعداد القوة التي فوجئت بالكمين. واعتبرت «القناة 13» أن ما جرى يذكّر بأن القوات الإسرائيلية، عند أي توغل داخل سوريا، قد تُستهدف بشكل فوري من مجموعات مسلحة محلية.
الجنوب السوري: بيئة قابلة للاشتعال:
تُظهر المواجهة، وفق التقدير الإسرائيلي، أن الجنوب السوري ليس ساحة يمكن التحكم بها بسهولة، بل منطقة قابلة للاشتعال عند أي احتكاك، وتمتلك خصائص اجتماعية وجغرافية تسمح بظهور فواعل محلية يصعب ردعها بالأساليب التقليدية.
وهذا التقدير يجعل حادثة بيت جن أكثر من مجرد مواجهة محدودة؛ إنها مؤشر على أن قرار المواجهة قد يصدر من السكان أنفسهم، دون انتظار دعم سياسي أو فصائل منظمة.
تراكم غضب شعبي بعد انتهاكات إسرائيلية سابقة:
يأتي هذا التوغل بعد سلسلة عمليات مشابهة، أبرزها في حزيران 2025، حين نفذت القوات الإسرائيلية اعتقالات واسعة، بينها اعتقال سبعة مدنيين من عائلة واحدة. ووفق المعلومات فإن عدد المعتقلين في بيت جن وحدها ارتفع إلى عشرة، فيما بلغ عدد المعتقلين السوريين عامةً قبل وبعد سقوط النظام 49 معتقلاً.
وتسببت هذه الانتهاكات، بما فيها قتل مدني من ذوي الاحتياجات الخاصة بدم بارد، بتراكم غضب واسع لدى السكان، ما جعل المنطقة أكثر استعداداً للمواجهة هذه المرة.
صدمة إسرائيلية وخشية من تكرار التجربة:
تسببت اشتباكات بيت جن بـ“صدمة معاكسة” لصنّاع القرار في “إسرائيل”، الذين كانوا يفترضون أن توغلاتهم اليومية أصبحت “اعتيادية” ولا تستفز السكان. لكن ما حدث أظهر أن الجنوب السوري قادر على إنتاج مقاومة شعبية مفاجئة تقوّض فرضيات “تل أبيب” حول سهولة الحركة داخل القرى السورية الحدودية.
ويرى مراقبون إسرائيليون أن الأخطر هو احتمال تعميم نموذج بيت جن على قرى سورية أخرى، خاصة تلك التي تمتلك بنى اجتماعية قادرة على تنظيم ردود فعل محلية، في ظل ضعف السلطة المركزية.
“إسرائيل” تعيد تموضعها: الحرمون “خط أحمر“:
تزايدت داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الدعوات لعدم السماح لأي جهة محلية أو منظمة بالتمركز قرب الحدود، باعتبار ذلك “خطأً استراتيجياً قاتلاً“. كما تصاعدت التحذيرات من الرهان على تفاهمات سياسية طويلة الأمد في ظل واقع ميداني “يتغير خلال ساعات“، على حد وصفهم.
وتكشف هذه المواقف عودة “إسرائيل” للتشدد في الحفاظ على مواقع جغرافية استراتيجية، وعلى رأسها منطقة الحرمون، التي تعتبرها “تل أبيب”، “مرتفَعاً سيادياً” لا يمكن التفريط به في ظل الاضطرابات السورية.
الجنوب السوري يدخل مرحلة جديدة:
تؤكد أحداث بيت جن أن الجنوب السوري بات يدخل مرحلة جديدة من المواجهة، تتسم بظهور مقاومة محلية مبنية على مبادرة فردية وجماعية، وبقدرة على إرباك “الجيش الإسرائيلي” في لحظات قصيرة. كما تكشف أن سياسة التوغلات “الروتينية” لم تعد مضمونة النتائج، وأن “تل أبيب” قد تجد نفسها مضطرة لإعادة حساباتها الأمنية في المنطقة.
إقرأ أيضاً: اشتباك دموي في بيت جن.. التسريبات والإجراءات الإسرائيلية تحت التحقيق
إقرأ أيضاً: إعلام عبري: الجيش الإسرائيلي يتجه للاغتيالات الجوية بسوريا بعد اشتباكات بيت جن الدامية