“هرمون الحب” والمفتاح النفسي: العلاقة العاطفية التي تصنع شخصية طفلك

لغة الأمان والحب: كيف يبني حضن الأم شخصية الرضيع؟

من اللحظة الأولى التي يلتقي فيها جلد الأم بجلد مولودها، تبدأ رحلة بناء أغلى وأهم علاقة في الوجود. إنها ليست مجرد علاقة بيولوجية، بل هي نسيج نفسي خفي يتمحور حول الأمان المطلق والحب غير المشروط والانتماء. هذا الارتباط العاطفي بين الأم ورضيعها ليس “ترفاً”، بل هو الخريطة النفسية التي ترسم ملامح شخصية الطفل وثقته بنفسه ونظرته للعالم المحيط به.

الارتباط العاطفي هو فن الاستجابة، إنه العلاقة العميقة التي تتشكل عندما تتقن الأم لغة الإشارات الصامتة. عندما يشعر الرضيع أن بكاءه مفهوم، وأن همساته الصامتة مُلتقطة، وأن الاستجابة لا تتأخر، فإن هذا يرسخ لديه شعوراً عميقاً بـ “أنا آمن، وأنا محبوب”. هذا الشعور بالأمان هو الركيزة التي تدوم مدى الحياة.

هل تعلمين أن التواصل مع طفلك لا يتطلب كلمة واحدة؟

إنه يتطلب حضورك الكلي. اللغة التي يفهمها الرضيع بطلاقة هي لغة العيون واللمس والصوت. انظري في عينيه أثناء الرضاعة أو تغيير ملابسه، ابتسمي له عند تفاعله، وكوني حاضرة بالاستجابة الفورية لبكائه. ولا تنسي قوة صوتك الدافئ، فالتحدث والغناء للرضيع يطمئنه، ويحفّز تطور دماغه، ويقوّي الرابط العاطفي بطريقة مذهلة.

تتجاوز أهمية حضن الأم مجرد الدفء الجسدي. إن العناق هو مصنع إفراز “هرمون الحب”، الأوكسيتوسين. هذا الهرمون السحري يغمر الرضيع بالطمأنينة ويخفف من توتره، ويبني جسور الثقة بينه وبين العالم. الأطباء ينصحون بالاحتضان قدر الإمكان في الأشهر الأولى لأنه بمثابة غذاء روحي ضروري للنمو النفسي السليم.

أما البكاء، فهو وسيلة التعبير الوحيدة للرضيع، وهو لا يعني أبداً أنه يزعجك؛ إنه يناديك. وفي كل مرة تستجيبين له بحنان، أنتِ توصلين له رسالة واضحة وقوية:

“أنا هنا، أنا أفهمك، ولن أتركك وحدك”. عند بكاء طفلك، لا تتجاهليه. يكفي أن تحمليه بحنان، أو تربتي على ظهره، أو تتحدثي إليه بصوت هادئ، لتعززي الثقة وتوفري له الأمان.

من الضروري أن تعرفي أن الارتباط العاطفي ليس إلزاماً فورياً بعد الولادة. الإرهاق الهائل، التغيرات الهرمونية، أو حتى صعوبة الولادة نفسها، قد تؤخر مشاعر التواصل الفوري. وهذا أمر طبيعي تماماً. الأهم هو عدم لوم الذات والبدء بخطوات بسيطة لبناء الجسر: التلامس الجسدي، الإنصات لإشارات الرضيع، وطلب الدعم من المحيطين.

إن تعزيز هذا الارتباط لا يتطلب منك أن تكوني أماً مثالية، بل يتطلب منك أن تكوني أماً حاضرة، مستمعة، وراغبة في الفهم. في كل مرة تستجيبين فيها بحب لاحتياجات طفلك الصغير، أنتِ تزرعين فيه بذور الثقة بالنفس والقدرة على الحب. هذه البذور هي التي تنمو لتصنع إنساناً متوازناً، سعيداً، ومتقبلاً للحياة.

إقرأ أيضاً :  كلمة واحدة قد تغيّر نظرتكِ للأمومة: الحب

إقرأ أيضاً : التوحد والتكنولوجيا: كيف يغير الذكاء الاصطناعي والروبوتات مستقبل أطفالنا؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.