نساء سوريا يواجهن الفقر بإعالة أسرهن.. مسؤوليات مضاعفة وحماية اجتماعية غائبة

دفعت سنوات الأزمة في سوريا آلاف النساء إلى تحمّل أعباء اقتصادية تتجاوز أدوارهن التقليدية، بعدما فقدت أسر كثيرة معيلها بسبب الوفاة أو النزوح أو الغياب، فوجدت النساء أنفسهن أمام خيار صعب: دخول سوق العمل مهما كانت قسوته، أو مواجهة العجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية لأطفالهن. وفي ظل ضعف فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، تحولت قصص الاعتماد على الذات إلى مؤشر على اتساع الضغوط الاجتماعية، وعلى محدودية الحماية المتاحة للأسر الأكثر هشاشة.

من فقدان المعيل إلى أعمال شاقة

في ضاحية قدسيا بريف دمشق، تولت أم يزن إدارة محل الخضار الذي تركه زوجها بعد وفاته، رغم افتقارها إلى الخبرة في شراء البضائع والتعامل مع تجار سوق الهال. وبمرور الوقت، وسّعت مشروعها وأضافت نشاطاً لتجهيز المؤن والمواد الغذائية، وشغّلت عمالاً وعاملات لتتمكن من إعالة أطفالها الخمسة ومساعدتهم على مواصلة التعليم.

أما سماهر العمر، فاتجهت إلى الخياطة بعد وفاة زوجها، وبدأت العمل في مشغل قبل أن تشتري ماكينة خاصة وتعمل بصورة مستقلة. واضطرت غصون منصور، وهي أم لثلاثة أطفال، إلى العمل في الزراعة لتأمين احتياجات أسرتها ورعاية زوجها المصاب بالشلل.

تكشف هذه التجارب عن قدرة النساء على اكتساب المهارات وتوليد مصادر دخل في ظروف قاسية، لكنها تكشف أيضاً عن كلفة اجتماعية يجري التعامل معها غالباً باعتبارها مسؤولية فردية. فالمرأة مطالبة بتأمين الدخل وتربية الأطفال ورعاية أفراد الأسرة، بينما تبقى قدرتها على الاستمرار مرتبطة بمدى توفر العمل ورأس المال ومستلزمات الإنتاج، وهي عوامل لا تملك كثير من الأسر ضمانها.

إعالة الأسر مسؤولية فردية بلا ضمانات كافية

ترى المختصة الاجتماعية شهد خراعي أن دخول النساء إلى مجالات العمل المختلفة ساعد أسرهن على مواجهة العوز والتفكك، وأن توليهن مسؤوليات اقتصادية إضافية أسهم في الحفاظ على تماسك كثير من العائلات. كما تشير إلى أن هذه التجارب غيّرت نظرة المجتمع إلى دور المرأة وقدرتها على إدارة شؤون الأسرة واتخاذ القرار.

لكن الاحتفاء بقدرة النساء على الصمود لا يعالج أسباب هشاشتهن الاقتصادية. فالعمل في الزراعة أو التجارة أو المهن اليدوية لا يضمن دخلاً مستقراً، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة التسويق وضيق فرص العمل. وتزداد المخاطر عندما تضطر المرأة إلى تمويل مشروعها من مدخراتها المحدودة، من دون ضمانات كافية تحميها من الخسارة أو انقطاع الدخل.

وتتفاقم المشكلة في ظل غياب بيانات شاملة ومحدثة عن احتياجات النساء المعيلات، وضعف برامج الدعم الموجهة إليهن، وعدم وضوح حجم فرص العمل المستقرة المتاحة لهن. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الاعتماد على المبادرات الفردية بديلاً مؤقتاً عن سياسات اقتصادية واجتماعية يفترض أن تخفف الأعباء عن الأسر الأكثر تضرراً.

ضغوط نفسية تتجاوز القدرة على الاحتمال

يشير استشاري الصحة النفسية سمير هادي إلى اتساع مسؤوليات النساء في إعالة الأسر، مستشهداً بارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها نساء من 8% قبل الثورة إلى 30% في بعض المناطق والمدن، وفق الأرقام التي أوردها. ويؤكد أن الجمع بين العمل ورعاية الأطفال وإدارة المنزل يفرض ضغوطاً نفسية واجتماعية إضافية.

وتحتاج معالجة هذه الأعباء إلى أكثر من الإشادة بصمود النساء؛ إذ تتطلب فرص عمل لائقة، وتدريباً مهنياً، وتمويلاً للمشروعات الصغيرة، وحماية اجتماعية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار. أما ترك النساء لمواجهة هذه المسؤوليات منفردات، ثم تقديم قدرتهن على الاحتمال بوصفها قصة نجاح مكتملة، فيحجب جانباً أساسياً من المشكلة: أن كثيرات اضطررن إلى حمل أعباء تفوق قدراتهن لأن البدائل المتاحة لهن محدودة.

 

اقرأ ايضاً: العنف ضد النساء في سوريا: كيف يؤثر الخوف والاختطاف في حرية الحركة والثقة المجتمعية؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.