البطالة في سوريا تنتظر الإحصاء.. سنوات من التخطيط بلا بيانات موثوقة

بعد سنوات من التدهور الاقتصادي وتراجع النشاط الإنتاجي وهجرة الكفاءات، بدأت هيئة التخطيط والإحصاء تنفيذ مسح للقوى العاملة يشمل 37,800 أسرة في المحافظات السورية، بهدف قياس معدلات التشغيل والبطالة وخصائص العاملين والباحثين عن فرص عمل. وتأتي الخطوة بعد انقطاع طويل عن إجراء المسح الدوري، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى بيانات دقيقة لتوجيه سياسات التشغيل والاستثمار والتدريب، فيما لا تزال قطاعات واسعة من الاقتصاد عاجزة عن توفير فرص عمل مستقرة وأجور تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات.

37,800 أسرة لسد فجوة إحصائية متراكمة

يعتمد المسح على عينة تضم 2,700 أسرة في كل محافظة، وتُجمع بياناتها إلكترونياً بواسطة فرق ميدانية، على أن تنتهي العملية قبل نهاية عام 2026، وتصدر النتائج الأولية بين أواخر كانون الثاني وبداية شباط 2027، وفق رئيس دائرة الإعلام في الهيئة محمد عثمان.

ويستهدف المسح قياس البطالة والمشاركة الاقتصادية والعمالة الناقصة، إلى جانب الأجور وساعات العمل والعمل غير المنظم، بالاستناد إلى معايير منظمة العمل الدولية. وتتيح هذه المؤشرات التمييز بين العاطلين الذين يبحثون فعلياً عن عمل، والأشخاص الذين خرجوا من سوق العمل أو تراجعت رغبتهم في المشاركة فيه نتيجة محدودية الفرص.

لكن الحاجة إلى هذا المسح تطرح سؤالاً عن سنوات التخطيط التي سبقت إطلاقه: كيف يمكن رسم سياسات اقتصادية دقيقة في غياب بيانات حديثة عن سوق العمل؟ إن تأخر القياس الدوري يضعف قدرة المؤسسات على تحديد حجم المشكلة وتوزعها، ويترك المجال واسعاً لخطط عامة قد لا تعكس احتياجات المحافظات أو الفئات الأكثر تضرراً.

البطالة في سوريا أعمق من رقم رسمي

يرى الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي أن سوق العمل السوري يواجه مشكلات متداخلة، أبرزها تراجع النشاط الإنتاجي وتضرر المنشآت والبنية التحتية، وهجرة الكفاءات، وضعف الأجور، واتساع العمل غير المنظم وغياب مظلة فعالة للضمان الاجتماعي.

وتعني هذه الظروف أن انخفاض البطالة المسجلة، إن تحقق، لن يكون كافياً للحكم على سلامة سوق العمل؛ فقد يعمل الشخص ساعات محدودة أو بأجر لا يكفي احتياجاته، فيما يعجز آخرون عن البحث عن وظيفة أصلاً. لذلك، يتطلب التقييم قياس الأجور الفعلية وقدرتها الشرائية، وانتظام دفعها، وساعات العمل، ونسبة السكان الذين يعملون أو يبحثون عن وظائف.

بيانات بلا تنفيذ.. إعادة إنتاج الأزمة

تأمل الهيئة الاستفادة من النتائج في إعداد الخطط التنموية وتوجيه برامج التشغيل والتدريب والتمويل، بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. كما يجري الحديث عن مسح لاحق للطلب على العمالة لدى المؤسسات، بهدف تحديد الاختصاصات التي تعاني نقصاً أو فائضاً.

غير أن المسح، مهما بلغت دقته، لن يخلق وظيفة واحدة ما لم تتبعه سياسات ممولة لإعادة تشغيل المنشآت، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتحسين الأجور، وربط التعليم والتدريب باحتياجات الاقتصاد. كما يتطلب الأمر تحديد الجهات المسؤولة عن التنفيذ، ونشر النتائج بشفافية، وإخضاع البرامج للمتابعة والمحاسبة.

المشكلة السورية ليست نقص المؤشرات وحده، بل الفجوة بين ما تكشفه الأرقام وما تنفذه المؤسسات. وبعد سنوات من التراجع، لا يكفي أن تعرف الحكومة حجم البطالة؛ عليها أن توضح كيف ستخفضها، وبأي تمويل، وخلال أي مدة، وما النتائج التي ستتحمل مسؤولية تحقيقها. وإلا، فقد ينتهي المسح إلى تقرير جديد يصف الأزمة بدقة أكبر، فيما يواصل الباحثون عن عمل انتظار فرص لا توفرها الجداول الإحصائية.

 

اقرأ ايضاً: البطالة في سوريا تتسع.. وظائف قليلة وأجور لا تواكب كلفة المعيشة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.