وزارة الأشغال توضح ملف الأراضي المستملكة والمشاريع العمرانية.. ماذا قالت عن حقوق المالكين؟
تحوّل ملف الأراضي المستملكة في ريف دمشق من قضية عقارية مؤجلة إلى مواجهة مباشرة مع مشاريع عمرانية واستثمارية بدأت ترى طريقها إلى التنفيذ. ففي قدسيا ومحيطها، خرج عشرات الأهالي للاحتجاج على تخصيص أراضٍ يقولون إنهم يملكون وثائق تثبت حقوقهم فيها، مطالبين بمراجعة قرارات الاستملاك وحسم التعويضات والملكية قبل المضي في مشروعي “أبيات هيلز” و”شام فيو”.
وجاء بيان وزارة الأشغال العامة والإسكان ليضع القضية في إطار قانوني واسع، مؤكداً أن الاستملاك أداة قانونية للمنفعة العامة، وأن معظم القرارات محل الاعتراض تعود إلى عقود سابقة. لكن البيان لم ينهِ جوهر الخلاف: ماذا يحدث عندما تنتقل الأرض المستملكة من مشروع عام مؤجل إلى مشروع عمراني بالشراكة مع مستثمرين، بينما لا تزال مطالب أصحابها السابقين معلقة؟
احتجاجات تتوسع.. والملكية في قلب الخلاف
شهدت ضاحية قدسيا ومناطق مجاورة في ريف دمشق خلال الأيام الماضية احتجاجات ضد إقامة المشاريع على أراضٍ مستملكة، وطالب المحتجون بإيقاف الأعمال إلى حين تسوية أوضاع الملكيات وحسم حقوق أصحاب الأراضي. وتوسعت التحركات لتشمل قدسيا وجديدة الوادي والبجّاع والهامة وجمرايا ومناطق أخرى، وسط مطالب بمراجعة قرارات الاستملاك وعدم التصرف بالأراضي قبل البت في الاعتراضات.
وتزداد حساسية القضية مع حجم المشاريع المطروحة. فمشروع “أبيات هيلز”، الذي أطلقته المؤسسة العامة للإسكان بالشراكة مع شركة “أبيات” السعودية، يمتد على نحو 380 ألف متر مربع ويضم أكثر من ألفي وحدة سكنية، بينما يمتد “شام فيو” على نحو 1.78 مليون متر مربع، مع آلاف الوحدات السكنية والتجارية والفندقية.
بيان حكومي يشرح القانون ولا يحسم النزاع
في ردها، شددت وزارة الأشغال على أن الاستملاك لا يسقط لمجرد وجود اعتراض، وأن إثبات أي حق في عقار محدد يجب أن يستند إلى السجلات العقارية ووثائق الإيداع والقبض وانتقال الملكية.
كما اعتبرت أن تأخر تنفيذ بعض المشاريع لعقود، بسبب الحرب وعدم الاستقرار، لا يؤدي تلقائياً إلى عودة الملكية ما دامت المنفعة العامة قائمة. وذهبت أبعد من ذلك بالتأكيد أن إدخال مكونات استثمارية أو تنفيذ المشاريع بالشراكة مع القطاع الخاص لا يلغي صفة المنفعة العامة.
لكن المشكلة أن هذا التفسير القانوني لا يجيب وحده عن الأسئلة التي دفعت الأهالي إلى الشارع. فالمحتجون لا يعترضون فقط على مبدأ الاستملاك، بل يطالبون بمعرفة مصير ملكياتهم، وما إذا كانت التعويضات قد دُفعت فعلاً لكل أصحاب الحقوق، وما الذي جرى للأراضي بعد عقود من الاستملاك، ولماذا تنتقل اليوم إلى مشاريع استثمارية قبل حسم هذه الملفات.
شراكة عمرانية فوق ملفات قديمة
تكشف القضية فجوة بين سرعة إطلاق المشاريع الجديدة وبطء تسوية إرث عمراني وعقاري يعود إلى عقود. وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن الاستثمار والسكن والتنمية، يجد أصحاب أراضٍ مستملكة أنفسهم أمام مشاريع ضخمة يجري الإعلان عنها فوق عقارات يقولون إن حقوقهم فيها لم تُحسم بعد.
ولا تكمن المشكلة فقط في وجود مستثمر أو مشروع سكني، بل في أن الثقة بالمؤسسات نفسها تصبح موضع اختبار عندما تبقى الملكيات والتعويضات والقرارات القديمة غير واضحة بالنسبة لأصحابها.
وقد دفعت الاحتجاجات السلطات إلى بحث الملف مجدداً، إذ ناقش محافظ ريف دمشق ووزير الأشغال مطالب المواطنين المتعلقة بالأراضي المشمولة بقرارات الاستملاك في مشروعي “أبيات هيلز” و”شام فيو”، بالتوازي مع إعلان الوزارة تشكيل مكتب مشترك مع المحافظة لاستقبال الشكاوى والوثائق والاعتراضات.
ويبقى جوهر الأزمة أن الدولة لا تستطيع اختزال ملف بهذا الحجم في عبارة “الاستملاك قانوني”. فالقانون لا يحسم وحده أسئلة التعويض والتنفيذ وتغير وجهة استخدام الأرض وحقوق أصحابها بعد عقود. ومع استمرار الاحتجاجات، تبدو الحاجة أكبر إلى كشف الملفات العقارية للرأي العام وحسمها حالة بحالة، قبل أن تتحول مشاريع يفترض أن تقدم حلاً لأزمة السكن إلى مصدر جديد لنزاع على الملكية والثقة بالمؤسسات.
اقرأ أيضاً: احتجاجات في ريف دمشق تطالب بحسم ملكية أراضي مشاريع عقارية جديدة