تعيين “قناطري” في واشنطن: دبلوماسية الهواة في مواجهة أعقد ملفات العالم
أثار تسلّم المهندس محمد قناطري مهامه كقائم بأعمال السفارة السورية في واشنطن موجة واسعة من التساؤلات في الأوساط السورية، ليس بسبب شخصه فقط، بل بسبب ما يعكسه التعيين من نهج جديد/قديم في إدارة أخطر موقع دبلوماسي سوري على الإطلاق.
فالعاصمة الأمريكية ليست مجرد محطة بروتوكولية، بل مركز صناعة القرار الدولي، وملف سوريا فيها متشابك مع العقوبات، والاعتراف السياسي، وإعادة الإعمار، وملفات الإرهاب واللاجئين. وهو ما يجعل أي تعيين فيها اختبار كفاءة لا يقبل التجريب.
فجوة التخصص: من الهندسة المدنية إلى دهاليز السياسة الأمريكية:
أولى علامات الاستفهام تتعلق بالخلفية الأكاديمية والمهنية للقائم بالأعمال الجديد. فـ محمد قناطري يحمل شهادة في الهندسة المدنية من جامعة قبرص الدولية في قبرص التركية، وتخرّج منها قبل نحو خمسة أعوام فقط، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي والإداري.
ورغم شغله منصب نائب مدير إدارة أمريكا في وزارة الخارجية منذ أيار 2025، إضافة إلى كونه أحد أعضاء مكتب إدارة الشؤون السياسية، إلا أن مراقبين يرون أن هذا المسار لا يؤسس بالضرورة لتمثيل دولة في أكثر العواصم تعقيداً وتأثيراً في العالم.
في العرف الدبلوماسي، لا تُدار واشنطن بالشعارات أو “الشرعية الثورية”، بل بخبرة قانونية وسياسية عميقة، وقدرة على قراءة موازين القوى، وفهم آليات الضغط داخل الكونغرس، ودوائر اللوبي، ومراكز الأبحاث (Think Tanks).
قفز وظيفي أم اختصار للتجربة؟
ينتقد متابعون ما يصفونه بـ القفز غير الطبيعي في التدرج الدبلوماسي، حيث انتقل قناطري من العمل في ملفات محلية مرتبطة بـ”المناطق المحررة” سابقاً، إلى رأس الهرم الدبلوماسي في الولايات المتحدة.
هذا الانتقال السريع، وفق محللين، يضع الممثل السوري في موقع “التعلم أثناء العمل”، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى دبلوماسي جاهز، لا إلى تجربة تدريبية على حساب ملفات سيادية مصيرية، في مقدمتها العقوبات والشرعية الدولية.
واشنطن لا تُدار من مكتب قنصلي:
الدبلوماسية في الولايات المتحدة ليست إدارة معاملات، بل لعبة لوبيات معقدة تتطلب:
1- شبكة علاقات ممتدة داخل الكونغرس
2- قدرة على مخاطبة الإعلام الأمريكي
3- فهم عميق لتوازنات الحزبين
4- خبرة في التعامل مع الإدارات المتعاقبة.
غياب هذه الأدوات قد يحوّل السفارة السورية في واشنطن إلى مجرد مكتب خدمات قنصلية، بدل أن تكون منصة ضغط سياسي واستعادة دور.
أين الدبلوماسيون المخضرمون؟
يطرح هذا التعيين سؤالاً أكثر خطورة: لماذا يتم تجاوز عشرات الدبلوماسيين المنشقين وأصحاب الخبرة الطويلة في الأمم المتحدة والعواصم الكبرى؟
تشير قراءات سياسية إلى أن معايير الاختيار قد تكون خضعت لمبدأ “الثقة المطلقة” والولاء للدوائر الضيقة داخل السلطة الجديدة، على حساب الخبرة التراكمية والمعرفة التقنية.
الاستغناء عن الدبلوماسيين المخضرمين تحت شعار “التجديد” قد يبدو جذاباً خطابياً، لكنه عملياً يحرم سوريا من كوادر تعرف: كيف تُدار الاتفاقيات الدولية، وكيف تُفكك العقوبات، وكيف تُدار المعارك القانونية والسياسية الطويلة.
انتقادات حادة: إعادة إنتاج سلوكيات النظام السابق:
الانتقادات لم تتوقف عند حدود الكفاءة. فقد اعتبر عدد من الناشطين والمعلقين أن ما يجري يمثل إعادة تدوير لآليات النظام السابق التي قامت الثورة أصلاً لاقتلاعها.
صالح الحموي أحد مؤسسي جبهة النصرة والمعروف بـ “أس الصراع في الشام” علّق بلهجة شديدة، معتبراً أن البلاد تُدار كـ”مزرعة”، وأن التعيينات تتم خارج أي تقاليد دبلوماسية معروفة، مشيراً إلى أن السلك الدبلوماسي تاريخياً لا يعيّن سفيراً أو قائماً بالأعمال إلا بعد سنوات طويلة من الخدمة والخبرة المتراكمة في نفس الدولة أو الإقليم.
ويرى الحموي أن ما يُسمّى اليوم بـ”إدارة الشؤون السياسية” هي نفسها القيادة القطرية لحزب البعث مع الفرق أن عضو القيادة القطرية كان لا يصل للعضوية إلا بعد سنوات طويلة من العمل الحزبي والتنظيمي ومعه أعلى الشهادات وسلك طريق التراتبية الوظيفية التقليدية.
المحك هو النتائج:
تحاول وزارة الخارجية تسويق هذه التعيينات على أنها تمثيل “شبابي” و”ثوري” لسوريا الجديدة، لكن الواقع السياسي في واشنطن لا يُدار بالعواطف ولا بالرمزية.
النتائج وحدها هي المعيار:
هل ستُفتح قنوات حقيقية مع صناع القرار؟
هل ستتحرك ملفات العقوبات؟
هل سيُعاد الاعتبار للدور السوري في المؤسسات الأمريكية؟
من دون مراجعة جدية لسياسة التعيينات، وإعادة الاعتبار للخبرة والكفاءة، قد تبقى السفارة السورية في واشنطن مجرد عنوان بروتوكولي… في أكثر مدينة لا تعترف إلا بالأقوياء.
إقرأ أيضاً: من فوضى إسطنبول إلى بوابة برلين: تعيين مثير للجدل يعيد سؤال الكفاءة والواسطة
إقرأ أيضاً: دبلوماسية “المناصب والولاء”.. تعيينات الخارجية السورية الجديدة تحت مجهر الكفاءة