غموض توزيع “العملة الجديدة” في سوريا يفاقم الأزمة النقدية ويثير تساؤلات الشارع
رغم تأكيد الجهات الرسمية أن طرح العملة النقدية الجديدة يهدف إلى استبدال الأوراق القديمة وتحسين جودة التداول النقدي، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى صورة مختلفة، حيث يواجه المواطنون صعوبات كبيرة في الحصول على هذه العملة، وسط شح واضح في الكميات المتداولة وغياب توضيحات رسمية حول آلية توزيعها.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يعتمد فيه السوريون بشكل شبه كامل على السيولة النقدية في معاملاتهم اليومية، ما يجعل ندرة العملة الجديدة عبئًا إضافيًا، خاصة مع تآكل الأوراق القديمة وصعوبة قبولها في الأسواق.
وعود رسمية وواقع ميداني متناقض
منذ الإعلان عن بدء عملية استبدال العملة القديمة ومنح مهلة 90 يومًا لإنجازها، توجه المواطنون إلى شركات الصرافة ومكاتب الحوالات المعتمدة، إلا أن الرد المتكرر كان واحدًا: “الكمية غير متوفرة” أو “راجعنا لاحقًا”.
مازن خليل، موظف من دمشق، يروي تجربته قائلًا إنه زار عدة شركات صرافة دون أن يتمكن من تبديل أي مبلغ، رغم عدم وجود ازدحام يُذكر. ويتساءل: “إذا كانت العملة الجديدة هي البديل، فلماذا لا نجدها في السوق؟ وأين يتم ضخها؟”.
وتتكرر الشكاوى ذاتها في ريف دمشق، حيث تقول ريم عبود، ربة منزل، إنها قصدت إحدى شركات الصرافة برفقة والدها لتبديل أوراق تالفة، لكنها فوجئت بعد استكمال الإجراءات، بما فيها طلب صورة الهوية، بعدم توفر العملة الجديدة. وتشير إلى أن هذه الإجراءات، دون شرح رسمي، تثير قلق المواطنين وتساؤلاتهم حول مصير البيانات الشخصية.
شركات الصرافة في دائرة الاتهام
القرار الرسمي حدد قائمة واسعة من شركات ومكاتب الصرافة المعتمدة لتنفيذ عملية الاستبدال، تضم عشرات الأسماء المنتشرة في مختلف المحافظات. إلا أن جولة ميدانية أجرتها “الحل نت” أظهرت أن العديد من هذه المكاتب تعاني من نقص حاد في الكميات التي تصلها.
أحد أصحاب مكاتب الحوالات في دمشق أوضح أن ما يُضخ إليهم من العملة الجديدة لا يكاد يُذكر، مؤكدًا أن مكتبه لم يتسلم سوى نحو 10 ملايين ليرة منذ بدء العملية. وأضاف أن معظم ما يصلهم حاليًا هو عملة قديمة ومهترئة، بينما يتم إبلاغهم بأن الضخ من المصرف المركزي لا يزال محدودًا.
وأشار صاحب المكتب إلى أن أكثر الفئات التي تم ضخها هي فئة 500 ليرة، في حين يحتاج السوق بشدة إلى فئات أصغر لتسهيل التعاملات اليومية، ما يزيد من تعقيد المشهد النقدي.
وفيما يخص طلب صورة الهوية، أكد أن هذا الإجراء صادر بتوجيه مباشر من المصرف المركزي بهدف جمع بيانات الأشخاص الذين يقومون بعملية الاستبدال، وهو ما ساهم في زيادة حساسية المواطنين وفتح باب التساؤلات حول كيفية استخدام هذه البيانات.
مهلة 90 يومًا… ضغط بدل التسهيل
رغم أن منح مهلة 90 يومًا لاستبدال العملة كان يُفترض أن يخفف الضغط عن المواطنين، إلا أن استمرار الشح جعل هذه المهلة عامل قلق إضافي. فادي حسن، عامل، يقول إن مرور الأيام دون توفر العملة الجديدة يجعل المهلة بلا جدوى، مشيرًا إلى أن كثيرين باتوا يحتفظون بما يحصلون عليه من أوراق جديدة ولا يعيدون ضخها في السوق، ما يفاقم حالة الشح.
أسئلة مفتوحة وثقة مهزوزة
في ظل هذا الواقع، تتصاعد الأسئلة في الشارع السوري: إذا كانت شركات الصرافة تؤكد عدم توفر العملة، والبنوك تتحدث عن نفاد الكميات، والحوالات تُصرف بالعملة القديمة، فأين تذهب العملة الجديدة؟ ومن يملك النصيب الأكبر منها؟ ولماذا تغيب الشفافية في شرح آلية التوزيع والأولويات؟
حتى الآن، لا توجد إجابات رسمية واضحة حول هذه التساؤلات، ما يفتح المجال أمام الشائعات ويزيد من فجوة الثقة بين المواطنين والجهات المعنية. وبينما كان يُفترض أن تشكل “العملة الجديدة” خطوة إصلاحية لتحسين الواقع النقدي، تحولت بالنسبة لكثير من السوريين إلى أزمة إضافية، ومصدر سخرية مريرة في الحياة اليومية، في ظل انتظار طويل لا تبدو نهايته قريبة.
اقرأ أيضاً: حاكم مصرف سوريا المركزي: لا صحة لأنباء تزوير العملة الجديدة