دبلوماسية “المناصب والولاء”.. تعيينات الخارجية السورية الجديدة تحت مجهر الكفاءة
تواجه وزارة الخارجية في الحكومة السورية الجديدة موجة واسعة من التساؤلات والانتقادات التي طالت معايير اختيار ممثليها الدوليين، وذلك عقب سلسلة تعيينات شملت عواصم استراتيجية كواشنطن وبرلين وموسكو.
وتأتي هذه الخطوات ضمن عملية إعادة هيكلة يقودها وزير الخارجية أسعد الشيباني، إلا أنها أثارت جدلاً عميقاً حول ما إذا كانت هذه الاختيارات تستند إلى الخبرة الدبلوماسية التراكمية
أم أنها تعكس تكريساً لمنطق “المحاصصة” والولاء للدوائر السياسية الضيقة التي أدارت المشهد في الشمال السوري لسنوات.
واشنطن.. “لعبة المحترفين” في عهدة المهندسين
يبرز تعيين المهندس المدني محمد قناطري قائماً بأعمال السفارة السورية في واشنطن كأحد أكثر القرارات إثارة للجدل، نظراً لخصوصية العاصمة الأمريكية التي تُعرف بأنها ساحة معقدة تدار عبر اللوبيات ومراكز الأبحاث والدهاليز القانونية. ويرى مراقبون أن القفز من إدارة ملفات محلية وإدارية في “إدارة الشؤون السياسية” إلى قمة الهرم الدبلوماسي في الولايات المتحدة يعكس فجوة تخصصية كبرى
حيث يخشى البعض أن يتحول دور السفارة من “رأس حربة” للتأثير السياسي واستعادة الدور السوري إلى مجرد مكتب لتسيير المعاملات القنصلية، في وقت تحتاج فيه البلاد لمناورين يمتلكون أدوات التقاضي الدولي والإقناع السياسي.
“الإنزال الدبلوماسي”.. توزيع للمناصب أم بناء للدولة
لم يقتصر الأمر على واشنطن، بل امتد ليشمل عواصم كبرى عبر تعيين طاقم كامل من مدراء “إدارة الشؤون السياسية” السابقين، مثل أشهد صليبي في موسكو، ومحسن مهباش في الرياض، وزكريا لبابيدي في الصين، وغيرهم.
هذا التوزيع الذي شمل أسماءً ارتبطت بمنظومة سياسية وتنظيمية واحدة يضع “سورية ما بعد الثورة” أمام معضلة حقيقية في موازنة الولاء التنظيمي مع متطلبات الدبلوماسية الدولية
وسط انتقادات حادة من الأوساط الأكاديمية التي ترى في هذا “الإنزال” إقصاءً للخبرات الدبلوماسية المنشقة والتكنوقراط الذين يمتلكون شبكات علاقات دولية أوسع وأكثر تخصصاً.
من إسطنبول إلى برلين.. “براء شكري” وإرث الأزمات القنصلية
في الساحة الأوروبية، أثار تعيين محمد براء شكري، نجل وزير الأوقاف، قائماً بأعمال السفارة في برلين، سجالاً حول سرعة الترقية الوظيفية ومعايير القرابة.
فمنذ تخرجه عام 2019، تدرج شكري سريعاً ليصل إلى تمثيل سوريا في أهم عواصم أوروبا، رغم الانتقادات القاسية التي لاحقت أداءه أثناء إدارته للملف القنصلي في إسطنبول.
فقد ارتبطت تلك الفترة بشكاوى المواطنين من تغول السماسرة وفوضى المواعيد، مما جعل تعيينه في ألمانيا، التي تضم أكبر جالية سورية، محط اختبار حقيقي لقدرته على تجاوز إرث “سوء الإدارة” السابق، والتعامل مع متطلبات الدبلوماسية الألمانية المعقدة.
موازنة الولاء والنتائج.. هل تنجح “دبلوماسية الضرورة”
يبقى المحك الحقيقي لهذه التعيينات هو “النتائج” على الأرض، فالدول الكبرى لا تمنح الاعتراف أو ترفع العقوبات بناءً على الرصيد الثوري أو الولاء الحزبي، بل بناءً على مصالح تفرضها عقول قادرة على المناورة والاشتباك السياسي.
إن إصرار الوزارة على تحصين “مطبخ القرار” بأسماء موثوقة تنظيمياً قد يضمن الولاء الداخلي، لكنه يواجه تحدي القبول الدولي والقدرة على اختراق الجدران السياسية السميكة، مما يضع الخارجية السورية أمام سؤال جوهري: هل هي مؤسسة تمثل دولة جامعة لكل أطياف الشعب بكفاءاتهم، أم مجرد إعادة تدوير لمكاتب سياسية كانت تدير أزمة محلية؟
اقرأ أيضاً:رأفت حسن… شقيق وزير الخارجية في واجهة الإعلان ومخاوف متصاعدة من “حكم العائلة” في سوريا
اقرأ أيضاً:تصريح يثير العاصفة… “وجه سوريا الدبلوماسي” تحت نيران الانتقادات الشعبية