مشروع “خليج داريا”.. خلاف على حصص المالكين وآلية احتسابها
بعد أكثر من عقد على نزوح سكان منطقة خليج داريا وتحول منازلهم وأراضيهم إلى ملف عمراني معلّق، تعود المنطقة اليوم إلى واجهة إعادة الإعمار من بوابة مشروع ضخم لم تتضح شروطه النهائية بعد. محافظة ريف دمشق تعرض مخططاً لإقامة آلاف الوحدات السكنية والمرافق والخدمات على مساحة واسعة، لكنها تطلب في المقابل تفويض نسبة كبيرة من أصحاب الحقوق قبل الانتقال إلى التنفيذ، فيما لا يزال المالكون يسألون عن السؤال الأهم: ماذا سيبقى لهم فعلياً من ملكياتهم بعد اكتمال المشروع؟
المشروع، وفق العرض الأولي، يشمل نحو 1700 دونم، مع أبنية سكنية وحدائق ومدارس ومستوصفات وطرقات ومرافق استثمارية. ولم تبدأ أعمال التنفيذ حتى الآن، إذ ما تزال المحافظة في مرحلة الحوار وجمع التفويضات، مع اشتراط الحصول على موافقة نحو 70 إلى 75% من المالكين قبل الانتقال إلى المراحل التالية.
النسبة المعلنة لا تجيب عن سؤال الملكية
تطرح المحافظة حصصاً مختلفة تبعاً لطبيعة العقار ووضعه السابق. وبحسب العرض المنشور، يحصل صاحب العقار المنظم غير المبني على مساحة مبنية تعادل 50% من مساحة ملكيته، وترتفع الحصة إلى نحو 60% للعقار الذي كان عليه بناء قبل عام 2012، فيما تبلغ حصة الأراضي الزراعية غير المنظمة نحو 40%.
لكن الأرقام، بدلاً من أن تحسم الجدل، فتحت باباً آخر من الأسئلة. فالمشكلة بالنسبة إلى المالكين ليست في معرفة نسبة مجردة، وإنما في معرفة ما تعنيه هذه النسبة عند تحويل أرض خاصة إلى مشروع متعدد الطوابق والاستعمالات.
إذا كان شخص يملك ألف متر مربع، فهل يحصل على مساحة مبنية تعادل النسبة المعلنة فقط؟ وأين تقع هذه المساحة؟ وهل تكون شقة واحدة أم عدة وحدات؟ ومن يملك المساحات المتبقية الناتجة عن الاستثمار؟ وكيف توزع العوائد التجارية والاستثمارية؟
هذه الأسئلة لا تبدو تفصيلاً تقنياً، لأن قيمة الحق العقاري لا تتحدد بعدد الأمتار وحده، بل بموقعها ومواصفاتها وقابليتها للتملك والاستثمار.
إعادة الإعمار لا تعني إخراج المالك من المعادلة
يقول مالك الرفاعي، أحد أبناء داريا، إن الأهالي لا يرفضون إعادة إعمار الخليج، لكنهم يريدون مشروعاً يسمح للمهجرين بالعودة إلى منطقتهم، لا مخططاً عمرانياً ينتهي إلى مساكن لا يستطيع أصحابها تحمل كلفتها.
وتتكرر المطالب نفسها في اجتماع عقده مالكون وسكان في 25 أيلول، حيث طالب المشاركون بإعلان المخطط ودفتر الشروط وتحديد حصة المالك والمحافظة والمستثمر، إلى جانب مواصفات الشقق وموعد تسليمها والضمانات في حال تأخر التنفيذ أو تعثره.
وهنا تظهر فجوة أساسية في طريقة إدارة الملف: يُطلب من المالك أن يمنح التفويض أولاً، بينما يريد معرفة التفاصيل التي ستحدد قيمة هذا التفويض ونتيجته قبل التوقيع.
من يتحمل كلفة الانتظار؟
المشكلة لا تتعلق فقط بما سيحصل عليه المالك بعد اكتمال المشروع، بل أيضاً بما سيحدث خلال سنوات التنفيذ. فكثير من أبناء الخليج يعيشون منذ سنوات خارج منازلهم، وبعضهم يتحمل كلفة الإيجار إلى حين اتضاح مصير عقاره. وكانت عائلات في داريا قد تحدثت سابقاً عن ارتفاع تكاليف الترميم والإيجارات وقلة المساكن الجاهزة، باعتبارها عوامل تؤخر العودة حتى بالنسبة لمن يملكون عقارات في المدينة.
لذلك يطالب بعض المالكين بآلية واضحة لتعويض تكاليف السكن إذا طال التنفيذ، وبضمانات مكتوبة لا تكتفي بالتعهدات العامة.
وتزداد حساسية المسألة مع طرح أسئلة عن المستثمر: من سيختاره؟ ما حصته؟ من يمول البنية التحتية؟ ماذا يحدث إذا تعثر؟ وما الذي يضمن ألا يتحول مشروع إعادة الإعمار إلى استثمار طويل الأمد يدفع المالك ثمن انتظاره بينما يحصل المستثمر على العائد الأكبر؟
مشروع كبير.. وحقوق ما تزال بلا صيغة نهائية
ظل ملف الخليج أشهراً طويلة من دون حسم تنظيمي، فيما طالب السكان بالسماح لهم بالعودة أو بإعادة البناء بإمكاناتهم الخاصة بدلاً من انتظار مخطط غير واضح المواعيد.
واليوم، لا تزال الصورة غير مكتملة: المشروع مطروح، والحوار مستمر، والتفويض مطلوب، لكن الصيغة النهائية للحقوق والضمانات والتنفيذ لم تُحسم بعد.
وهذا ما يجعل إعادة إعمار الخليج اختباراً لطريقة تعامل الإدارة الجديدة مع الملكية الخاصة في المناطق المدمرة: هل تبدأ العملية من حق السكان في معرفة مصير أملاكهم وشروط استعادتها، أم من الحاجة إلى جمع التواقيع ثم تفصيل الحقوق لاحقاً؟
فالمنطقة لا تحتاج إلى أبراج وشوارع جديدة فقط، بل إلى عقد واضح مع أصحاب الأرض. ومن دون مخطط معلن، ودفتر شروط قانوني ومالي، وآلية دقيقة لاحتساب الحصص، وضمانات للتنفيذ ومصير المعترضين، قد يتحول مشروع يفترض أن يعيد سكان الخليج إلى مدينتهم إلى مرحلة جديدة من الانتظار، بعد سنوات كان الانتظار فيها أصلاً جزءاً من معاناتهم.
اقرأ ايضاً: داريا بعد التحرير.. عودة بطيئة من الركام وسط غياب خطة حكومية لإعادة الإعمار