معاناة المتقاعدين في دير الزور: تأخير الرواتب وإهمال المصرف العقاري يفاقمان الأزمة
يعيش المتقاعدون في محافظة دير الزور معاناة يومية داخل المصرف العقاري، حيث يتحول استلام الرواتب التقاعدية إلى رحلة شاقة من الانتظار والخذلان، وسط أعطال متكررة في الصرافات الآلية، ونقص حاد في السيولة والكوادر، وبنية خدمية متهالكة لا تليق بشريحة أفنت سنوات عمرها في العمل.
صرافات متعطلة وانتظار لساعات:
في صالة شبه مظلمة داخل المصرف العقاري بدير الزور، يقف أكثر من مئة رجل وامرأة من كبار السن لساعات طويلة أمام كوّة واحدة مخصصة لصرف المعاشات، بينما تصطف على جانبي المدخل أجهزة صراف آلي معطلة منذ فترة طويلة، مغطاة بالغبار ومحاطة بالنفايات.
ولا يعمل في الصالة سوى موظف واحد مكلف بتشغيل الصرافات وتسليم الرواتب لمتقاعدي دير الزور والرقة والحسكة، في مشهد يعكس حجم الضغط والعجز الإداري داخل المصرف.
رواتب لا تصل بعد منتصف الشهر:
يعتمد المتقاعدون على معاشاتهم التقاعدية كمصدر دخل أساسي في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار، إلا أن الرواتب غالبًا ما تتأخر إلى ما بعد منتصف الشهر، دون جدول زمني واضح أو إشعار مسبق.
يقول حسين الأحمد، وهو معلم متقاعد، إن هذه هي المرة السادسة التي يراجع فيها المصرف دون أن يتمكن من استلام معاشه، مشيرًا إلى أن الذريعة المتكررة هي “عدم وصول السيولة من دمشق”.
قصص إنسانية متكررة:
تروي أم محمد، وهي معلمة متقاعدة منذ أكثر من عشر سنوات، لموقع “تلفزيون سوريا” أنها تعيل ابنتها وأحفادها الثلاثة بعد فقدان والدهم، مؤكدة أن معاشها الذي لا يتجاوز مليون ليرة سورية لا يكفي أساسيات الحياة، ومع ذلك لم تتمكن من استلامه حتى الآن.
وتشير إلى أن الأعذار تتنوع بين تعطل النظام، انقطاع الكهرباء، أو نقص السيولة، بينما تبقى النتيجة واحدة: العودة إلى المنزل بلا راتب.
انتظار بلا أفق وديون متراكمة:
يقف المتقاعدون منذ ساعات الصباح الأولى أمام المصرف على أمل أن تتوفر السيولة، إلا أن الإعلان عن تأجيل الصرف أو الاكتفاء بعدد محدود من المستفيدين يتكرر يوميًا.
يقول عبد الرحمن السالم، موظف متقاعد من مؤسسة المياه، إنه بات عاجزًا عن شراء الأدوية إلا بعد استلام المعاش، مضطرًا للاستدانة من الجيران أو الصيدليات، في ظل تراكم الديون وتأخر الرواتب.
بنية تحتية متهالكة ونقص في الكوادر:
يعكس واقع المصرف العقاري بدير الزور صورة أوسع عن تراجع الخدمات العامة في المحافظة، إذ يعاني المبنى من أعطال مزمنة في الكهرباء والاتصالات، وغياب الصيانة، إضافة إلى نقص حاد في الكوادر البشرية.
ويؤكد أحد موظفي المصرف، فضل عدم ذكر اسمه، أن الفرع يعمل بأقل من نصف طاقته، وأن الأعطال التقنية وتأخر الأموال القادمة من الإدارة المركزية في دمشق تجعل الموظفين في مواجهة مباشرة مع المراجعين الغاضبين.
المتقاعدون بين الإهمال وغياب الحلول:
تُعد شريحة المتقاعدين من أكثر الفئات هشاشة في دير الزور، خصوصًا أولئك القادمين من الريف، الذين يقطعون مسافات طويلة ويتكبدون تكاليف نقل مرتفعة، ليعودوا في كثير من الأحيان دون معاش.
ويقول أبو فهد، متقاعد من ريف دير الزور الشرقي، إن أجرة الطريق تستهلك جزءًا كبيرًا من المعاش الذي لا يكفي أساسًا لمعيشة أسبوع.
وعود رسمية دون تنفيذ:
رغم الشكاوى المتكررة، لا تزال الحلول غائبة، وتقتصر الردود الرسمية على وعود عامة بانتظار تعليمات أو وصول السيولة من دمشق، دون إجراءات ملموسة، مثل إصلاح الصرافات أو زيادة عدد الموظفين.
ويؤكد متقاعدون أن المشكلة لا تتعلق فقط بنقص الأموال، بل بسوء الإدارة وغياب التخطيط، وعدم إعطاء أولوية لشريحة المتقاعدين عند توزيع الموارد.
كرامة مؤجلة:
بالنسبة للمتقاعدين، لم يعد الأمر مجرد تأخير مالي، بل مسألة كرامة وإنصاف، إذ يقفون لساعات طويلة في ظروف قاسية من أجل معاش لا يغطي احتياجاتهم الأساسية.
ويبقى السؤال المفتوح: إلى متى تستمر معاناة المتقاعدين في المصرف العقاري بدير الزور؟ وهل تتحرك الجهات المعنية لوضع حد لهذا الإهمال، أم يبقى الانتظار بلا أفق؟
إقرأ أيضاً: الرواتب في القطاع العام السوري: فجوات الأجور تختبر المرحلة الانتقالية
إقرأ أيضاً: “تعبٌ لا يشيخ”.. رحلة المتقاعدين الشاقة نحو الراتب في دمشق