بين الوعود والتنفيذ: هل تحولت مذكرات التفاهم إلى عبء على إعمار سوريا؟

خلال العام الأول الذي أعقب سقوط النظام السابق في سوريا، برزت موجة واسعة من مذكرات التفاهم والاتفاقيات الاستثمارية التي أُعلن عنها تباعًا بوصفها بوابة سريعة لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد. غير أن هذه الإعلانات، التي ترافقت مع أرقام ضخمة وخطاب متفائل، بدأت تثير تساؤلات متزايدة حول مدى واقعيتها وقابليتها للتحول إلى مشاريع فعلية على الأرض.

وفي ظل واقع اقتصادي هش، يعاني من تراجع حاد في الإنتاج والدخل، بدت كثافة مذكرات التفاهم أقرب إلى مشهد إعلامي استعراضي منها إلى خطة اقتصادية متماسكة، في وقت بقيت فيه الأسئلة الأساسية المتعلقة بالتمويل والجدوى والحوكمة دون إجابات واضحة.

مذكرات تفاهم أم التزامات غير قابلة للتنفيذ؟

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور كرم شعار، في قراءة تحليلية للصورة الاقتصادية بعد عام من التغيير السياسي، أن تعثر مذكرات التفاهم أو فشلها في التحول إلى مشاريع منفذة ليس أمرًا مفاجئًا بحد ذاته، إذ إن هذا النوع من الوثائق يُعبّر عادة عن نوايا أولية ولا يشكل التزامًا قانونيًا ملزمًا.

غير أن الإشكالية الأساسية، وفق شعار، لا تكمن في عدم تنفيذ بعض المشاريع، بل في أن عددًا من هذه المبادرات “لم يكن يتمتع بالمصداقية منذ لحظة الإعلان عنه”، وتم الترويج له على أنه حجر أساس في إعادة الإعمار دون الاستناد إلى دراسات جدوى معلنة أو أسس اقتصادية واضحة، ما يعكس خللًا أعمق في إدارة المرحلة الاقتصادية الانتقالية.

وخلال الأشهر الماضية، أعلنت الحكومة عن مذكرات تفاهم قُدّرت قيمتها الإجمالية بعشرات المليارات من الدولارات، شملت قطاعات حيوية مثل الطاقة والنقل والبنية التحتية والعقارات، في بلد لا تزال قدرته الاقتصادية محدودة بشدة.

أرقام كبيرة واقتصاد محدود

وعند مقارنة هذه الأرقام بتقديرات الناتج المحلي الإجمالي السوري الحالي، الذي تقلص إلى أقل من ثلث مستواه قبل عام 2011 بحسب بيانات البنك الدولي، تبرز تساؤلات حول قدرة الاقتصاد السوري على استيعاب مثل هذه الاستثمارات، فضلًا عن مدى إمكانية تأمين التمويل اللازم لها.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الاحتياجات الأساسية لإعادة إعمار سوريا تتجاوز 400 مليار دولار، ما يجعل التركيز على مشاريع ضخمة ذات طابع تجاري محدود الأثر الاجتماعي موضع نقاش وانتقاد، خاصة في ظل الاحتياجات المعيشية والخدمية الملحّة.

ويضرب شعار مثالًا بمشروع مترو دمشق، الذي يُتداول بوصفه مشروعًا استثماريًا سعودي التمويل وأحد أبرز عناوين المرحلة المقبلة، معتبرًا أن المشروع، حتى في حال تجاوز التحديات التقنية المعقدة المرتبطة بالحفر في مدينة تُعد من أقدم المدن المأهولة في العالم، يظل ضعيف الجدوى من الناحية الاقتصادية.

جدوى غائبة وآليات غير واضحة

ويشير شعار إلى أن مستويات الطلب الحالية والمتوقعة لا تسمح ببناء نموذج مالي قادر على استرداد التكاليف أو تحقيق ربحية، ما يجعل المشروع أقرب إلى فكرة تسويقية أو رمزية منه إلى استثمار قابل للحياة.

غير أن ما يثير القلق، وفق الخبير الاقتصادي، لا يقتصر على وجود مشاريع غير واقعية، بل يتجاوز ذلك إلى طريقة اختيار مذكرات التفاهم نفسها، وآليات تقييمها والموافقة عليها. فالمسار المعتمد حتى الآن، بحسب تقديره، يبدو ارتجاليًا ويفتقر إلى الشفافية، مع غياب معايير موحدة لفحص الجدوى الاقتصادية أو إجراءات تنافسية عادلة لاختيار المشاريع.

ويحذر شعار من أن هذا الواقع يغذي مخاوف المحسوبية وتقديم العلاقات الشخصية على الكفاءة الاقتصادية، ولا سيما في ما يتعلق بمذكرات تفاهم بارزة، من بينها الاتفاق الأكبر الذي أُعلن عنه مع شركة UCC Holding.

غياب خارطة طريق لإعادة الإعمار

ويضيف أن افتقار الحكومة إلى نشر وثائق واضحة ومعايير معلنة لاختيار المشاريع يخلق مخاطر كبيرة على مستوى السمعة، وهي مخاطر يصعب على سوريا تحملها في مرحلة تسعى فيها إلى إعادة الاندماج في الاقتصاد الدولي واستعادة ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية.

ويرى شعار أن هذا التخبط يعكس غياب خارطة طريق متكاملة لإعادة الإعمار، تطرح أسئلة أساسية حول أولويات الحكومة الفعلية، وتسلسلها الزمني، والآليات المعتمدة للتمويل، ودور كل من القطاعين العام والخاص في هذه العملية.

النمو الاقتصادي مقابل الاحتياجات الاجتماعية

ويشير إلى أن التركيز على مشاريع البنية التحتية التجارية الكبرى قد يساهم نظريًا في رفع معدلات النمو الإجمالي، لكنه لا يعني بالضرورة تلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحًا للسكان، لافتًا إلى أن فوائد هذه المشاريع غالبًا ما تتركز لدى شرائح محدودة، دون أن تنعكس بصورة مباشرة على تحسين مستوى المعيشة أو الخدمات الأساسية.

وفي المقابل، يلف الغموض مستقبل تمويل البنية التحتية غير التجارية، مثل الأشغال العامة والخدمات الأساسية، وهي القطاعات التي تحقق عوائد اجتماعية مرتفعة لكنها لا تولد أرباحًا مباشرة، في وقت تُطرح فيه سياسات لتخفيضات ضريبية قد تؤدي إلى تقليص إيرادات الدولة.

مخاطر الانحراف عن الأولويات

ويحذر شعار من أن هذه القطاعات، بطبيعتها، لا تجذب المستثمرين الدوليين ما لم تُحدَّد بوضوح آليات تقاسم الأدوار بين القطاعين العام والخاص، وتوضيح من يتحمل التمويل، وبأي أدوات، وعلى أي أسس.

ويرى أن مسار إعادة الإعمار ينحرف تدريجيًا نحو المشاريع القابلة للتسويق الاستثماري، على حساب ما هو ضروري فعليًا لإعادة بناء المجتمع والاقتصاد، محذرًا من أن هذا النهج قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع بدلًا من ردمها.

إعادة الإعمار كعملية مؤسسية

ويختتم الخبير الاقتصادي تحليله بالتأكيد على أن إعادة الإعمار ليست مجرد توقيع مذكرات تفاهم أو الإعلان عن أرقام كبيرة، بل هي عملية مؤسسية معقدة تتطلب تحديد أولويات واضحة، ونشر دراسات جدوى قبل الإعلان عن المشاريع، وتوضيح مصادر التمويل، وضمان رقابة مستقلة ومساءلة عامة.

ومن دون هذه الشروط، يرى شعار أن كثيرًا من المشاريع المعلنة ستبقى وعودًا معلقة لا تُحدث تغييرًا ملموسًا في الواقع المعيشي، ولا تضع الاقتصاد السوري على مسار تعافٍ مستدام، بل تهدد بتبديد فرصة تاريخية لإعادة البناء على أسس أكثر متانة.

اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.