التجارة الإلكترونية في سوريا.. توسّع سريع ومستهلكون بلا حماية
شهدت السنوات الأخيرة في سوريا نمواً سريعاً للتجارة الإلكترونية، إذ تحولت آلاف الصفحات والحسابات على منصات التواصل الاجتماعي إلى متاجر رقمية تعرض كل شيء من الأجهزة المنزلية إلى الملابس، وحتى الهوية الرقمية، بأسعار أقل من الأسواق التقليدية، ما دفع الكثير من السوريين إلى الاعتماد على التسوق عبر الإنترنت كخيار رئيسي.
غير أن هذا النمو جاء على حساب أمان المستهلك، إذ يغيب غالباً سجل تجاري واضح، وفواتير رسمية، وضمان للمنتجات، بينما يظل البائع مجهولاً في معظم الأحيان، والمستهلك وحده أمام أي خطأ أو احتيال. ويشير خبراء إلى أن 90% من المعاملات تتم بدفع مسبق عبر التحويل البنكي أو نظام “كاش أون ديلفيري”، مع صعوبة التتبع، ما يجعل عمليات الاسترجاع أو الاستبدال شبه مستحيلة، خصوصاً عندما يغلق البائع صفحته أو يختفي بعد البيع.
فجوة بين التشريعات والتنفيذ
القوانين في سوريا تنظم التجارة الإلكترونية بموجب القرار رقم 917 لعام 2019 والقانون رقم 3 لعام 2014، وتشترط تسجيل النشاط التجاري والإفصاح عن هوية البائع والالتزام بالإعلانات الحقيقية وتوفير حقوق الاستبدال أو الإرجاع، مع خضوع النشاط للرقابة التموينية.
لكن المسؤولين يعترفون بأن أدوات الرقابة الحالية غير كافية، إذ صعوبة متابعة آلاف الصفحات الإلكترونية تتجاوز قدرة المراقبة التقليدية، بينما تستمر التجارة الإلكترونية في النمو، مستفيدة من ضعف الرقابة الميدانية، وغموض الصفات القانونية للبائعين، وضعف ثقافة الشكوى لدى المستهلكين، إضافة إلى غياب نظام دفع إلكتروني رسمي.
تجارب المستهلكين
التقارير والشهادات تؤكد حجم المخاطر، إذ يروي العديد من المستهلكين تجاربهم مع خسائر مالية بسبب منتجات لم تطابق الصور، أو منتجات معيبة، أو بائعين اختفوا بعد التحويل.
-
فريال، من دمشق، تقول إنها اشترت غسالة بسعر أقل من السوق، لكنها اكتشفت أنها مستعملة، وبعد التواصل مع البائع حظر رقمها واختفت الصفحة.
-
عبدالله، من ريف حلب، دفع عربوناً لشراء هاتف محمول، وأغلق البائع الصفحة بعد أيام، دون فاتورة أو جهة يمكن الشكوى إليها.
-
ريم، من حمص، تلقت منتجاً مخالفاً للصورة، وعند طلب الاستبدال رفض البائع، ما يبرز غياب حماية المستهلك على أرض الواقع.
السوق الرقمية بلا سقف
الخبير الاقتصادي عادل الحسين يشير إلى أن التجارة الإلكترونية لم تعد خياراً ثانوياً، بل تحولت إلى سوق موازية للأسواق التقليدية، لكنها تعمل خارج أي إطار رقابي فعلي، مما يعرض المستهلك للمخاطر. ويضيف أن استمرار هذا الوضع يعني تكريس اقتصاد الظل الرقمي، وفقدان الدولة للسيطرة على حقوق المستهلكين، إضافة إلى تأثيره على المنافسة العادلة وإيرادات الدولة.
ويؤكد الحسين أن الحلول أصبحت عاجلة، وتشمل:
-
تأسيس سجل وطني للتجار الإلكترونيين بإجراءات مبسطة عبر الإنترنت.
-
توفير إعفاءات ضريبية جزئية في السنوات الأولى للتجار المسجلين.
-
تفعيل بوابة شكاوى إلكترونية موحدة للمستهلكين.
-
حملات توعية بحقوق المستهلك الإلكتروني وكيفية التحقق من المتاجر الموثوقة.
-
التعاون بين وزارة الاتصالات وحماية المستهلك والمصارف لإنشاء منظومة دفع إلكتروني آمنة وشفافة.
-
تدريب الكوادر الرقابية على متابعة النشاط الرقمي وتمييز الصفحات الوهمية عن الحقيقية.
ويختم الحسين بأن مسؤولية حماية المستهلك لا تقع على الفرد وحده، بل على الجهات الرقابية التي يجب أن تكون حاضرة وفعّالة، كما يحدث في دول نجحت في تنظيم التجارة الإلكترونية، حيث لا يُطلب من المواطن أن يكون محققاً، بل أن تكون المنظومة الرسمية موجودة وملزمة للبائعين.
هذا الواقع يوضح أن التجارة الإلكترونية في سوريا سوق متنامية بلا سقف قانوني واضح، والمستهلك هو الطرف الأضعف، في ظل توسع سريع يصعب معه على التشريعات التقليدية مواكبة هذا التحول الرقمي.
اقرأ أيضاً:من البسطة إلى قيادة الميكروباص.. نساء سوريا يكسرن حاجز المهن للرجال فقط وسط تحولات الحرب