خطة التعافي الوطنية في سوريا: خسائر بـ800 مليار دولار ومسار طويل حتى 2035
كشفت مسودة أولية من خطة “التعافي الوطنية” التي أعدّتها الحكومة السورية الانتقالية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) عن حجم الخسائر الاقتصادية والإنسانية الهائلة التي خلّفها النزاع في سوريا، واضعة إطارًا رؤيويًا لمرحلة التعافي تمتد حتى عام 2035.
وتقع المسودة في نحو 23 صفحة، وترتكز على ثلاث ركائز أساسية هي: الرؤية الاستراتيجية، الأولويات الوطنية، والمبادئ التوجيهية، مؤكدة أن الخطة لا تمثل برنامجًا استثماريًا أو استراتيجية قطاعية، بل إطارًا مرجعيًا شاملًا يوجّه السياسات اللاحقة ويعزز التنسيق بين مؤسسات الدولة والشركاء المحليين والدوليين.
خسائر اقتصادية غير مسبوقة:
بحسب المسودة، بلغت إجمالي الخسائر الاقتصادية الناجمة عن النزاع نحو 800 مليار دولار، في حين تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من نصف مستواه عام 2012، وانكمشت الإيرادات العامة بأكثر من الثلثين، بالتزامن مع معدلات تضخم مرتفعة أدت إلى تآكل القوة الشرائية للأسر وتهديد الاستقرار المالي.
وأظهرت التقديرات أن أكثر من 20% من المخزون السكني الوطني تعرّض للدمار، فيما تعمل البنى التحتية والخدمية – من كهرباء ومياه وصرف صحي وطرق وموانئ ومطارات – بنحو نصف طاقتها السابقة أو أقل، ولا سيما السكك الحديدية.
أزمة إنسانية عميقة:
على الصعيد الإنساني، تشير الخطة إلى وجود أكثر من 6 ملايين لاجئ خارج البلاد، ونحو 7 ملايين نازح داخليًا حتى نهاية العام الماضي، إضافة إلى أن أكثر من 15 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وهو أعلى رقم منذ بدء النزاع.
كما يعاني أكثر من 12 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، ويُقدّر عدد الأطفال خارج المدارس بنحو مليوني طفل، في ظل ارتفاع معدلات الفقر إلى نحو 80%، والبطالة إلى قرابة 50%، فضلًا عن تزايد وفيات الأمهات والأطفال.
وتحذر المسودة من أن سنوات النزوح والعنف والحصار أضعفت الثقة بالمؤسسات وعمّقت التوترات المجتمعية، لا سيما في محافظات مثل درعا وحمص، حيث تعيق النزاعات العقارية وغياب الوثائق عمليات العودة وإعادة الاندماج.
التعافي ليس إعمارًا فقط:
تؤكد الخطة أن التعافي لا يمكن أن يقتصر على إعادة الإعمار المادي، بل يجب أن يشمل إعادة الشرعية للمؤسسات، والمصالحة المجتمعية، وحماية الهوية الثقافية، مستفيدة من تجارب دول خرجت من نزاعات مماثلة مثل لبنان والعراق والبوسنة ورواندا.
مبادئ توجيهية وأولويات وطنية:
تتضمن الخطة نحو 15 مبدأ توجيهيًا، من أبرزها: السيادة والملكية الوطنية، سيادة القانون والحكم الرشيد، العدالة الاجتماعية، الكرامة الإنسانية والشمول، المشاركة المجتمعية والسلام الأهلي، التحول الاقتصادي، تنمية الشباب، تمكين المرأة، الابتكار والتحول الرقمي، الاستدامة البيئية، القدرة على الصمود، والتجديد الثقافي.
وبناءً على هذه المبادئ، حُددت 15 أولوية وطنية مترابطة تشمل:
إصلاح البنى التحتية والخدمات العامة، إنعاش الاقتصاد وفرص العمل، التعليم والبحث العلمي، الحوكمة والمؤسسات، العدالة وحقوق الإنسان، التماسك الاجتماعي، الصحة والحماية الاجتماعية، عودة النازحين، الأمن الغذائي والزراعة، البيئة والطاقة المتجددة، النقل والتعافي الحضري، الثقافة والإعلام، والحوكمة المالية.
ثلاث مراحل حتى عام 2035:
تقسم مسودة الخطة عملية التعافي إلى ثلاث مراحل زمنية:
1- 2026–2027 (الاستقرار): استعادة الحد الأدنى من مستويات المعيشة وإصلاح المؤسسات.
2- 2027–2030 (التوطيد): توسيع إعادة الإعمار وترسيخ الإصلاحات المؤسسية.
3- 2030–2035 (التحوّل): الانتقال إلى التنمية المستدامة وتنويع الاقتصاد عبر التكنولوجيا والطاقة المتجددة والسياحة والتجارة الإقليمية.
مصادر تمويل التعافي:
تحدّد الخطة خمسة مصادر رئيسية للتمويل:
1- الموارد المحلية (إصلاحات ضريبية وجمركية، سندات للشتات).
2- الدعم الدولي عبر الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية.
3- استثمارات القطاع الخاص والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
4- التمويل المبتكر مثل السندات الخضراء والتمويل المناخي.
5- التنسيق والمساءلة عبر منصة وطنية تشرف عليها وزارة الخارجية.
النتائج المتوقعة:
وتتوقع الخطة تحقيق خمس نتائج رئيسية، هي: الاستقرار والتماسك الاجتماعي، تحسين مستويات المعيشة، الانتعاش الاقتصادي، تنمية الإنسان، وتعزيز الصمود والاستدامة ذات الأثر التحويلي.
إقرأ أيضاً: الاقتصاد السوري في 2025: رمال متحركة بين التعافي الهش والتحديات العميقة