كيف تعيد سوريا رسم خريطة تجارتها ومسارات العبور نحو الخليج بعد إغلاق معبر “نصيب”؟

لم تسنح لحركة التجارة والترانزيت البري بين سوريا والأردن فرصة كافية لاستعادة عافيتها وزخمها، حتى اصطدمت مجدداً بالرياح العكسية للتطورات الأمنية في الجنوب السوري؛ ما أعاد خلط الأوراق تماماً أمام المصدرين والمستوردين وشركات النقل الإقليمية.

جاء هذا التحول الميداني متسارعاً مع إعلان الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية عن إغلاق معبر نصيب الحدودي مع الأردن، في الساعات الأولى من صباح اليوم الثلاثاء، وتعليق حركة المسافرين والتبادل التجاري بالاتجاهين، وذلك على خلفية الأحداث الميدانية في محافظة درعا وما رافقها من غارات جوية أردنية استهدفت نقاطاً في جنوب سوريا.

إغلاق “نصيب”: هزة قوية لشريان التجارة والترانزيت

انعكس قرار الإغلاق -الذي صدر وفق بيان رسمي حرصاً على سلامة المسافرين والعاملين دون تحديد موعد لعودة الحركة- لتتجاوز تداعياته الاقتصادية حدود الفترة الزمنية الفعلية للتوقف.

ولا تكمن الخطورة حصراً في تأخر وصول البضائع، بل تمتد لتشمل القفزات الحادة في تكاليف النقل والتخزين، ومخاطر تلف المنتجات الزراعية سريعة العطب، فضلاً عن الارتباك الشديد في مواعيد التسليم والجداول التصديرية.
ويعد معبر نصيب (المقابل لمعبر جابر الأردني) الشريان البري الأبرز الرابط بين السوق السورية وعمقها العربي في الأردن ودول الخليج. وعليه، فإن أي تعطيل لهذا المعبر يعني شللاً محتملاً في تدفق الواردات الضرورية للأسواق والمصانع السورية، إلى جانب تقويض وصول السلع المحلية إلى الأسواق الخارجية، ولا سيما خلال المواسم الزراعية التي تعتمد كلياً على عنصرين حاسمين: سرعة النقل وانخفاض تكلفته.
وتكشف لغة الأرقام حجم المصالح الاقتصادية الضخمة المعرضة للخطر؛ فبحسب بيانات غرفة تجارة عمّان الصادرة في الأول من نيسان/أبريل 2026، قفز حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 334 مليون دينار أردني خلال عام 2025، مقارنة بـ116 مليون دينار فقط في عام 2024، مسجلاً نموّاً هائلاً يقارب 188 بالمئة، حيث بلغت الصادرات الأردنية نحو 252 مليون دينار مقابل 82 مليون دينار للمستوردات السورية.

نمو متسارع للصادرات الأردنية واختلال في الميزان التجاري

واصلت الصادرات الأردنية منحاها التصاعدي خلال الأشهر الأولى من عام 2026؛ إذ أظهرت بيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية في 24 حزيران/يونيو الماضي، صعود الصادرات باتجاه سوريا بنسبة 38.4 بالمئة خلال الثلث الأول من العام لتصل إلى 101 مليون دينار (مقابق 73 مليوناً في الفترة ذاتها من العام السابق).

وفي المقابل، شهدت الواردات الأردنية من سوريا انكماشاً بنسبة 42.9 بالمئة ليهبط إلى 12 مليون دينار مقابل 21 مليوناً.

تؤكد هذه المؤشرات تحول السوق السورية إلى وجهة محورية للمنتجات الأردنية، وفي مقدمتها مواد البناء (الإسمنت، الحديد، الرخام، والأنابيب)، إلى جانب المعدات الكهربائية، والسلع الغذائية، والمنتجات الكيماوية.

كما تعكس هذه الأرقام تفاوتاً واختلالاً واضحاً في الميزان التجاري لصالح الأردن، نظراً لمحدودية الصادرات السورية مقارنة بتدفق السلع نحو السوق المحلية. وبناءً على ذلك، سيؤدي استمرار تعطل المعبر إلى تضخم تكاليف إيصال هذه الإمدادات، ملقياً بأعباء إضافية على الشركات السورية التي تتكل على الاستيراد لتلبية الاحتياجات المحلية أو توفير مستلزمات الإنتاج.

تحديات التصدير الزراعي والبحث عن البدائل

يتحمل قطاع الصادرات الزراعية السورية الموجهة إلى الخليج عبر الأراضي الأردنية الوزر الأكبر من هذه الأزمة؛ إذ يجبر إغلاق المعبر المصدرين على البحث المضني عن مسارات بديلة أو الاضطرار لتأجيل الشحنات، الأمر الذي ينذر برفع تكاليف التبريد والتخزين، أو تكبد خسائر فادحة في قيمة البضائع سريعة التلف.

وفي محاولة لاستكشاف الحلول المتاحة، يبرز المسار العراقي عبر منفذي البوكمال السوري والقائم العراقي كخيار بري محتمل لبعض الشحنات. غير أن جدوى هذا المسار تظل رهينة اعتبارات عدة، مثل:

  • الوجهة النهائية للشحنات.
  • طول مسافة الطريق واستهلاك الوقود.
  • تكاليف التأمين والتخليص الجمركي.
  • ترتيبات وتسهيلات العبور داخل الأراضي العراقية.

ولهذا السبب، لا يمكن التعويل على هذا المسار كبديل تعويضي تلقائي لشاحنات الخليج والسعودية، أو اعتباره أقل تكلفة مقارنة بالمسار المعتاد عبر الأردن.

على صعيد آخر، يوفر النقل البحري عبر مرفأي اللاذقية وطرطوس خياراً بديلاً للبضائع القابلة للتخزين والشحن بالحاويات، شريطة توافر خطوط شحن منتظمة وإجراءات مرنة للمناولة والترحيل نحو الأسواق المستهدفة. كما يظل خيار المرور عبر الموانئ اللبنانية مطروحاً لبعض الشحنات، رغم ما يفرضه من حلقات لوجستية إضافية وأعباء في النقل والمناولة تجعله قاصراً عن تلبية احتياجات كافة المنتجات التي كانت تمر عبر “نصيب”.

وتظل عملية المفاضلة بين هذه الخيارات محكومة بالتكلفة الإجمالية للرحلة بأسرها، وليست مجرد إيجاد منفذ حدودي بديل؛ فالشحنات الصناعية قد تستطيع تحمل التأخير وتكاليفه ضمن هوامش محددة، بينما تفقد المنتجات الزراعية قدرتها التنافسية سريعاً كلما طال زمن وصولها إلى الأسواق النهائية.

ضرورة استراتيجية: تنويع الممرات وتحصين التجارة

يضع إغلاق معبر “نصيب” التجارة السورية في اختبار قاسٍ ومبكر، وسط مساعي البلاد الحثيثة لرتق علاقاتها الاقتصادية الإقليمية، مسلطاً الضوء على الكلفة الباهظة للارتكاز على ممر بري وحيد في بيئة إقليمية تتقاطع فيها التطورات الأمنية مع العصب الاقتصادي.
وفي حال تكرار هذا الإغلاق أو استمرار أمده، ستتجاوز الأولوية القصوى لدمشق مجرد توجيه الشاحنات نحو طرق بديلة، لتصل إلى بناء شبكة نقل متعددة المسارات، ورفع كفاءة المعابر، وتطوير بنية صادرات قادرة على امتصاص تكاليف الوصل بالأسواق الخارجية.

فاستدامة التعافي التجاري لا ترتبط فقط بلحظة فتح الحدود، بل بضمان بقائها مستدامة ومتاحة بأزمنة وأكلاف تستطيع الشركات السورية تحملها.

وخلاصة القول، إن الحل الجذري لا يكمن في مجرد الالتفاف بالشاحنات عبر طرق أطول وأشق، بل يتطلب رؤية أشمل تقوم على تنويع منافذ التصدير، وتوثيق التنسيق الجمركي، وتطوير المنظومة اللجستية للنقل والتخزين؛ فاستمرار تعافي الاقتصاد والتجارة السورية يشترط توفير ممرات آمنة وقابلة للاستمرار، تكفل وصول السلع في مواقيت دقيقة وبتكاليف لا تستنزف هوامش ربح المنتجين والمصدرين.

 

اقرأ أيضاً:تشييع ضحايا الغارات الأردنية في ريف درعا وسط دعوات للتظاهر في دمشق وإغلاق السفارة

اقرأ أيضاً:غارات أردنية على جنوب سوريا.. دمشق تنفي التنسيق وتعلن سقوط ضحايا مدنيين

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.