المدن: هل تنجح لجان “مكافحة الكسب غير المشروع” في استرجاع ثروات السوريين؟
في خطوة وُصفت بالجريئة والمفصلية، شرعت الحكومة السورية أخيراً في تنفيذ برنامج “الإفصاح الطوعي عن الكسب غير المشروع” عبر لجنة متخصصة، مبررة هذه الخطوة بالالتزام بتوصيات الأمم المتحدة وتطبيق مبادئ العدالة وسيادة القانون
حيث اعتبرت السلطات السورية هذا البرنامج بمثابة “آلية صفح” تندرج ضمن إطار العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، موفرة فرصة لمن يرغب في إزالة الآثار القانونية لثروات جمعها بطرق غير مشروعة، غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في الداخل فحسب، بل في تلك الكتلة الضخمة من الأموال المهربة إلى الخارج والتي تتوزع في مصارف وأصول عالمية شتى
هواجس التمويل وأرقام الإعمار الفلكية
وفقاً لتقرير نشره موقع “المدن” فإن ملف استرداد الأموال المنهوبة يمثل هاجساً حقيقياً لكل سوري في ظل الانهيار الاقتصادي الراهن، خاصة مع دخول البلاد مرحلة إعادة الإعمار التي تتطلب مبالغ خيالية
فبينما قدر البنك الدولي تكلفة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، تذهب تقديرات غير رسمية بعيداً لتتراوح بين 600 و900 مليار دولار نظراً لحجم الدمار الشامل في البنى التحتية، وهو ما يجعل من استرجاع كل ليرة أو دولار منهوب ضرورة وطنية قصوى لتغطية جزء من هذه الاستحقاقات المالية الثقيلة، وبحسب تقرير “المدن” فإن الخبراء يجزمون بحتمية البحث عن سبل استرجاع هذه الكتلة المالية الهائلة لتلبية احتياجات البلاد المقبلة
ثروات تتجاوز موازنات دول
على الرغم من غياب الأرقام الدقيقة، إلا أن التقارير الدولية تشير إلى مبالغ مرعبة، فوفقاً لتقديرات الخارجية الأمريكية، قد تتجاوز ثروة آل الأسد 12 مليار دولار، بينما تذهب تقارير أخرى لتقدير الشبكة المالية المعقدة للنظام السابق بنحو 122 مليار دولار، وهو رقم يعادل أكثر من عشرة أضعاف حجم الاقتصاد السوري الحالي، وتتنوع هذه الثروات بين أصول مجمدة في سويسرا وشركات وهمية وعقارات دولية، وصولاً إلى أموال مرتبطة بتجارة الكبتاجون، ولا تقتصر الدائرة على العائلة الحاكمة بل تشمل منظومة واسعة من “فساد السلطة” التي أودعت أموالها في بنوك لبنان والخليج وتركيا وأوروبا
الأدوات القانونية المتاحة أمام الحكومة
يؤكد الخبراء أن على الحكومة السورية اعتماد ترتيبات إجرائية سيادية واستخدام القوانين الدولية كأدوات للضغط، حيث تمثل اتفاقية مكافحة الفساد لعام 2005 وعاءً قانونياً هاماً، ورغم أن سوريا ليست عضواً في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) أو اتفاقية مكافحة الرشوة (OECD) أو اتفاقية المساعدة القانونية المتبادلة (MLATs)، إلا أنها طرف في اتفاقية مكافحة الفساد العربية
ويرى مراقبون أن انضمام سوريا الفوري للاتفاقيات الدولية سيعزز موقفها القانوني في مواجهة الدول التي قد تتحصن خلف قوانين السرية المصرفية وحماية الأصول الأجنبية
مسارات التتبع وخيارات التحرك
تتيح القوانين الدولية لدمشق طلب المساعدة المباشرة من الدول التي توجد فيها الأصول، وفي حال التصديق على اتفاقية “UNCAC” ستصبح المهمة أيسر بفضل آليات التعاون الدولي، كما يمكن للحكومة الاستعانة بلجان مالية وفنية متخصصة قادرة على اختراق جدار الشركات الوهمية وتتبع التحويلات المعقدة لعائلة الأسد، فضلاً عن إمكانية توقيع اتفاقيات ثنائية مع الدول التي تعتبر ملاذات آمنة لتلك الأموال
ويشير التقرير إلى أن التواصل المباشر مع سلطات الدول المضيفة للأصول يعد خياراً استراتيجياً للحكومة السورية
تعقيدات الأصول الخاصة مقابل السيادية
يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش في حديثه لموقع “المدن” أن ملف أصول عائلة الأسد وشركائهم يتسم بالتعقيد الشديد، حيث تقدر بعض المصادر صافي أموال العائلة في الخارج بين مليار وملياري دولار موزعة بين مجوهرات وأصول استثمارية ومركبات فارهة
ويشدد عياش على ضرورة التفريق بين “الأصول السيادية” التابعة للدولة وبين “الأصول الخاصة” للنخب الحاكمة، فبينما يتطلب استرداد الأموال الخاصة إجراءات قضائية طويلة لإثبات مصدرها الجرمي
فإن فك تجميد الأموال السيادية يعد قراراً سياسياً أو إجرائياً أكثر سهولة ويسراً
تحركات عملية على طريق الاسترداد
بدأت ملامح التحرك الجدي تظهر من خلال لقاء رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش السوري عامر العلي في الدوحة مع وفد من مبادرة استرداد الأموال المنهوبة (ستار)، ويهدف هذا التعاون إلى بناء القدرات المؤسسية وتوفير الخبرات الفنية اللازمة لكشف مخابئ الأموال المهربة
وفي ذات السياق أكد وزير المالية السوري أن الأموال المجمدة هي حق للشعب وسيتم توظيفها وفق الأولويات الاقتصادية
بينما يسعى المصرف المركزي بشكل مستقل لاستعادة أصوله السيادية المجمدة بعيداً عن ملف أموال الأسد المعقد
اقرأ أيضاً:لجنة الكسب غير المشروع: تسويات رجال الأعمال مالية ولا تمنح حصانة قضائية
اقرأ أيضاً:تسويات مالية: مصادرة 80% من ممتلكات طريف الأخرس وسامر الفوز