يواجه آلاف النساء والأطفال المرتبطين بمقاتلي تنظيم «داعش» في مخيم «روج» ومخيمات أخرى شمال شرقي سوريا حالة من الغموض المتزايد بشأن مستقبلهم، في ظل تصاعد التوترات الأمنية والاشتباكات بين قوات الحكومة السورية الانتقالية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وفق تقرير ميداني أعدّه موقع «المونيتور» الأميركي من داخل مخيم «روج» في محافظة الحسكة.
ويعكس الواقع داخل هذه المخيمات بيئة معقدة تتداخل فيها التحديات الإنسانية مع المخاطر الأمنية، حيث يعيش الآلاف في ظروف قاسية، وسط نقص الخدمات الأساسية، وغياب أفق واضح للحلول السياسية أو الإنسانية، في ظل تشابك الحسابات الإقليمية والدولية.
تدهور أمني بعد تغيّر السيطرة
بحسب التقرير، تدهورت الأوضاع الأمنية بشكل ملحوظ عقب سيطرة قوات الحكومة السورية الانتقالية على مخيم «الهول» في 20 كانون الثاني/يناير، بعد أن سلّمته قوات «قسد». وأسفر هذا التدهور عن فرار أكثر من 100 معتقل من تنظيم «داعش» من مرافق الاحتجاز، إضافة إلى عدد غير معروف من قاطني مخيم «الهول»، الذي يُعد أكبر مخيم يضم عائلات مقاتلي التنظيم في شرقي محافظة الحسكة.
وأشار التقرير إلى أن الاشتباكات بين دمشق و«قسد» بدأت في 6 كانون الثاني/يناير، قبل أن تتصاعد سريعًا، ما أدى إلى خسارة «قسد» أكثر من ثلثي المناطق التي كانت تحت سيطرتها، بما في ذلك الرقة ودير الزور، وهما من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية.
مخاوف داخل المخيمات
ونقل التقرير شهادات لنساء محتجزات داخل المخيمات، عبّرن عن مخاوف متزايدة من امتداد الاشتباكات إلى أماكن احتجازهن. وقالت سابرينا، وهي فرنسية من مدينة ستراسبورغ وأم لأربعة أطفال، في حديثها لـ«المونيتور»: «نحن خائفات ولا نعرف ما الذي سيحدث لنا»، متسائلة عما إذا كانت الحرب ستصل إلى المخيم، وما إذا كنّ سيبقين في أمان.
وأضافت أن غياب أي توضيحات رسمية يزيد من حالة القلق، مشيرة إلى أن العديد من النساء تجمعن للتعبير عن مخاوفهن مع تصاعد الحديث عن تغيّرات أمنية محتملة.
توترات داخلية ومؤشرات تطرف
وتتولى امرأة كردية تُعرف باسم «الرفيقة حورية» مسؤولية الأمن في مخيم «روج». وقالت للموقع إن بعض النساء المحتجزات بدأن تجهيز أمتعتهن، مرددات عبارات تشير إلى توقعهن حدوث اضطرابات أمنية واعتقادهن بإمكانية الفرار أو تغيّر موازين السيطرة.
وأضافت أن النساء يترقبن أي حالة فوضى قد تتيح لهن الهروب من المخيم، في مؤشر على هشاشة الوضع الأمني.
وفي مخيم «الهول»، قالت حكمية إبراهيم، المسؤولة المدنية عن إدارة المخيم، إن مجموعات من النساء خرجن من خيامهن وبدأن بترديد هتافات «الله أكبر»، معتبرات عودة القوات الحكومية «عودة للخلافة»، بحسب تعبيرها.
وأكدت إبراهيم أن إدارة المخيم لم تتلقَ أي تواصل من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بشأن التطورات الأخيرة، كما لم تتلقَ أي اتصال من الحكومة الانتقالية في دمشق لبحث مستقبل المخيم أو آليات إدارته.
ظروف معيشية صعبة
إلى جانب المخاوف الأمنية، تعاني النساء المحتجزات من ظروف معيشية قاسية، أبرزها انقطاع التيار الكهربائي عن المخيم خلال الأسبوعين الماضيين نتيجة أعطال في المولدات، وفق مسؤولين محليين.
كما أشار تقرير «المونيتور» إلى استمرار ظهور شعارات مؤيدة لتنظيم «داعش» داخل الخيام وعلى جدران المخيم، ما يعكس بقاء أفكار متطرفة لدى بعض القاطنات.
وأعربت نساء عن مواقف متباينة تجاه القيادة السورية الانتقالية. فقد سخرت سابرينا من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، فيما قالت ياسمينة، وهي بلجيكية تبلغ 30 عامًا من مدينة أنتويرب، إنها لا تعلم إن كان الوضع سيتجه نحو مزيد من التسامح، مؤكدة أن أولويتها الأساسية حاليًا هي عودة الكهرباء إلى المخيم.
جنسيات متعددة وعودة محدودة
ويضم المخيم نساءً وأطفالًا من جنسيات مختلفة، من بينهم أتراك وأويغور وروس وإندونيسيون. وبحسب جيهان حنان، المديرة السابقة لمخيم «الهول»، يبلغ عدد العائلات التركية في المخيم نحو 50 عائلة، مشيرة إلى أن مبادرة تركيا لإعادة مواطنيها لم تُستكمل، دون توضيح الأسباب.
وتروي بعض النساء قصصًا عن وصولهن المبكر إلى سوريا خلال سنوات صعود تنظيم «داعش». وقالت أوزليم، وهي تركية وصلت إلى سوريا في سن الخامسة عشرة، إنها ندمت على قرارها بعد أيام قليلة، وتزوجت لاحقًا من رجل أذربيجاني وأنجبت منه طفلين قبل أن تنفصل عنه.
وأضافت أنها تعيش في حالة خوف دائم من المستقبل، مشيرة إلى أن الحياة داخل المخيم قاسية، وأن العودة إلى بلدها باتت شبه مستحيلة، بحسب وصفها.
إعادات محدودة ومستقبل غير واضح
وأشار التقرير إلى أن الحكومة البريطانية أعادت مؤخرًا ست نساء مع أطفالهن التسعة من المخيم، فيما لا تزال عشرات النساء الأخريات محتجزات، من بينهن شميمة بيغوم، إحدى أشهر البريطانيات المرتبطات بملف مخيمات «داعش».
وفي ظل غياب حلول شاملة، يبقى مستقبل النساء والأطفال في مخيمات شمال شرقي سوريا معلقًا بين اعتبارات أمنية معقدة، وحسابات سياسية دولية، وأزمة إنسانية مفتوحة دون أفق زمني واضح للحل.