استبدال الليرة الجديدة تحت الضغط: اختلالات التوزيع تربك المصارف
أظهرت عملية استبدال العملة السورية الجديدة بالعملة القديمة، منذ انطلاقها مطلع العام الجاري، جملة من التحديات التنظيمية والبنيوية التي انعكست على أداء المصارف العامة، وأثارت حالة من التذمر الواسع بين المواطنين، في ظل محدودية توفر النقد الجديد وغياب تداول ملموس له في الأسواق.
ورغم مرور أسابيع على بدء العملية، ما تزال العملة الجديدة نادرة في التعاملات اليومية، الأمر الذي طرح تساؤلات حول كفاءة آلية الاستبدال المعتمدة، وقدرتها على تحقيق أهدافها النقدية والاقتصادية، ولا سيما في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها السوريون.
نفي رسمي لمزاعم التزوير
بالتوازي مع ذلك، انتشرت خلال الأيام الماضية شائعات عن تزوير بعض فئات العملة الجديدة، ما دفع مصرف سوريا المركزي، في 15 كانون الثاني الجاري، إلى إعادة نشر تصريح لحاكمه عبد القادر الحصرية، نفى فيه بشكل قاطع تسجيل أي بلاغ رسمي حول وجود حالات تزوير.
وأكد الحاكم أن المصرف المركزي لم يتلقَ أي شكاوى من مصارف أو مؤسسات مالية أو أفراد بهذا الشأن، معتبرًا أن ما يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الأحاديث العامة يندرج في إطار سوء الفهم أو القلق الشعبي، أو محاولات التضليل وجذب التفاعل. ودعا المواطنين إلى الإبلاغ الفوري عن أي حالة مشتبه بها ليتم التعامل معها وفق القنوات الرسمية.
ازدحام ونقص في السيولة الجديدة
على أرض الواقع، أظهرت جولات ميدانية في عدد من المناطق التجارية في دمشق، ولا سيما محيط ساحة المحافظة، معوقات عدة واجهت عملية الاستبدال، أبرزها ضعف توافر العملة الجديدة في المصارف العامة نتيجة الحصص المحدودة التي يضخها المصرف المركزي، إلى جانب الازدحام الشديد داخل الفروع، ما قلّص قدرتها على استقبال الأعداد المتزايدة من المراجعين، بحسب ما نقلته صحيفة «عنب بلدي».
كما اشتكى مواطنون من إجراءات تنظيمية صارمة، شملت فرز الأوراق النقدية القديمة وترتيبها قبل الاستبدال، وهو ما أدى إلى إطالة زمن إنجاز المعاملات وزيادة الضغط على الموظفين والمراجعين على حد سواء.
سقوف غير واضحة وارتباك في الآلية
إلى جانب المصارف العامة، أفاد مواطنون بوجود قيود فرضتها بعض شركات الصرافة، تمثلت في رفض استبدال مبالغ كبيرة أو تحديد سقوف غير معلنة، ما زاد من حالة الارتباك، خاصة في الأيام الأولى من العملية، رغم البيانات التوضيحية المتكررة الصادرة عن المصرف المركزي.
كما لاحظ متابعون محدودية الدور الفعلي للمصارف العامة مقارنة بالمصارف الخاصة وشركات الصرافة، رغم الانتشار الجغرافي الأوسع للأولى واعتماد شريحة كبيرة من المواطنين عليها في معاملاتهم اليومية.
تفاوت في توزيع العملة الجديدة
في هذا السياق، كشف مسؤول إداري في أحد المصارف العامة، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن مصرف سوريا المركزي اتجه منذ بداية عملية الاستبدال إلى تزويد المصارف الخاصة وشركات الصرافة بكميات من العملة الجديدة تفوق بشكل ملحوظ ما سُلّم للمصارف العامة.
وأوضح أن هذا التفاوت في التوزيع لا ينسجم مع واقع انتشار المصارف العامة وعدد فروعها الذي يتجاوز 40 فرعًا ومكتبًا لكل مصرف، مقارنة بعدد محدود من فروع بعض المصارف الخاصة، فضلًا عن كون المصارف العامة تتعامل مع الشريحة الأوسع من المواطنين في مختلف المحافظات.
وأشار إلى أن أحد المصارف الخاصة تسلّم في بداية العملية أكثر من 105 ملايين ليرة سورية جديدة، رغم أن عدد فروعه لا يتجاوز سبعة فروع فقط، معتبرًا أن هذا الخلل أسهم في تعميق أزمة توفر النقد الجديد.
مقترحات لمعالجة الخلل
وبحسب المسؤول ذاته، فإن معالجة هذا الاختلال لا تتطلب إجراءات معقدة، إذ يمكن للمصرف المركزي تزويد كل مصرف عام بكمية من العملة الجديدة تعادل متوسط عملياته المالية الشهرية، دون اشتراط تسليم العملة القديمة مقابلها، إلى جانب تمديد ساعات الاستبدال حتى الساعة السادسة مساءً.
ويرى أن هذه الخطوات كفيلة بتسريع العملية وإنجازها خلال شهر واحد بدلًا من ثلاثة أشهر، كما من شأنها تقليص الازدحام وتحسين انسيابية العمل.
كما أرجع المسؤول ندرة العملة الجديدة في الأسواق إلى استحواذ المصارف الخاصة على الحصة الأكبر من الكتلة النقدية الجديدة، في وقت لا يتعامل فيه معظم المواطنين مع تلك المصارف، إضافة إلى ميل من يحصل على العملة الجديدة إلى ادخارها والاستمرار في التداول بالعملة القديمة.
وانتقد في هذا السياق اشتراط المصرف المركزي على المصارف العامة تسليم العملة القديمة قبل يومين أو أكثر من استلام الجديدة، معتبرًا أن هذا الإجراء يعكس ضعفًا في الثقة، رغم أن جميع عمليات الاستبدال موثقة وتظهر فورًا في أنظمة المركزي.
تقييد السحوبات بين الاستقرار والثقة
نتيجة محدودية الكميات المسلّمة، باتت المصارف العامة تقتصر في عمليات الاستبدال على يومين فقط أسبوعيًا، حيث تتسلم كل منها دفعتين من العملة الجديدة، ثم تتوقف العملية بقية أيام الأسبوع أو يُخفض سقف الاستبدال اليومي، في وقت يُحظر فيه ضخ العملة القديمة في الأسواق.
وفي ما يتعلق بتقييد السحوبات المصرفية، اعتبر المسؤول أن استمرار هذا الإجراء مبرر خلال فترة الاستبدال، لتفادي إغراق السوق بالعملة الجديدة، ولا سيما في ظل الودائع الكبيرة الموجودة في المصرف التجاري السوري، محذرًا من أن فتح سقوف السحب قد يؤدي إلى موجة تضخمية.
في المقابل، شدد على أن استمرار تقييد السحوبات في الظروف العادية يضر بالثقة في القطاع المصرفي، ويغذي مخاوف المواطنين من تجميد أو مصادرة غير مباشرة لأموالهم، ما يدفعهم إلى الاكتناز بدل الإيداع.
ثغرات في التعليمات النقدية
ولفت المسؤول إلى أن تعميم المصرف المركزي الذي سمح للمودعين بعد 7 أيار/مايو 2025 بسحب ودائعهم كاملة، أوجد ثغرة استغلها بعض كبار التجار والصناعيين لاستبدال كميات كبيرة من العملة القديمة دون التقيد بسقوف الاستبدال المعتمدة.
وأوضح أن بعض أصحاب رؤوس الأموال تمكنوا من إيداع مبالغ كبيرة من العملة القديمة ثم سحبها بعد أيام بالعملة الجديدة، قبل أن يتم لاحقًا تقييد هذه العمليات بسقوف أسبوعية، في محاولة للحد من آثارها على التوازن النقدي.
اقرأ أيضاً:حاكم مصرف سوريا المركزي: لا صحة لأنباء تزوير العملة الجديدة