تفكيك خارج القانون: كيف تحوّل سوق السيارات القديمة في سوريا إلى اقتصاد الظل

في أطراف ريف دمشق، وداخل مناطق صناعية بعيدة عن الرقابة، تنتشر ساحات تضم هياكل سيارات مجردة من لوحات التسجيل والزجاج وأي إشارات تعريفية قانونية. سيارات كانت في وقت ما وسيلة نقل، قبل أن تتحول إلى خردة مفككة تُقاس قيمتها بما يمكن استخراجه منها من قطع قابلة للبيع، لا بتاريخها ولا بوضعها القانوني.

في هذه الأماكن، لا يُطرح سؤال عن مصدر السيارة أو ملكيتها أو ظروف وصولها إلى ورش التفكيك، إذ يقتصر الاهتمام على عدد القطع الصالحة للبيع والعائد المتوقع منها. ومع رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا وفتح باب استيراد السيارات الحديثة، وما تبعه من ركود واسع في سوق السيارات القديمة، برز تفكيك السيارات كنشاط متسارع ضمن اقتصاد الظل، يدر أرباحًا مرتفعة لشبكات منظمة، في مقابل آثار اقتصادية وتنظيمية سلبية.

من إعلان إلى منظومة متكاملة
غالبًا ما تبدأ عملية التفكيك بإعلان بسيط على مواقع التواصل الاجتماعي، أو لافتة أمام مكتب متواضع لبيع السيارات، تتضمن عبارات مثل: “شراء سيارات قديمة أو متوقفة مهما كانت حالتها”. خلف هذه العبارات يقف سماسرة يشكلون الحلقة الأولى في سلسلة تبدأ بشراء السيارة وتنتهي في ورش التفكيك.

وفي حديث لموقع تلفزيون سوريا، قال أحد السماسرة العاملين في بلدة المعضمية بريف دمشق إن شراء السيارات يتم دون أي اهتمام بالأوراق الرسمية أو بطاقة الملكية. ويوضح أن “الوضع القانوني لا يحدد السعر، وإنما كمية القطع التي يمكن بيعها”، مشيرًا إلى أن السيارة تُشترى “على الهيكل”، ثم تُوزّع مخرجاتها لاحقًا.

وبحسب السمسار، تُنقل السيارات مباشرة بعد إتمام الصفقة عبر شاحنات مخصصة إلى ورش تفكيك منتشرة في أطراف دمشق وريفها، بعضها ضمن مناطق صناعية معروفة، وأخرى داخل ورش ميكانيك صغيرة.

ورش بلا تسجيل ولا رقابة
داخل ورش التفكيك، لا تُسجل أرقام الهياكل، ولا تُوثق القطع المستخرجة، ولا يظهر أي حضور فعلي لجهات رقابية. وتباع القطع فورًا لتجار آخرين، أو تُنقل إلى أسواق بيع القطع المستعملة، حيث تختلط قطع سيارات مجهولة المصدر مع قطع سيارات متوقفة بشكل قانوني.

ويؤكد السمسار أن الطلب على هذه القطع مرتفع، في ظل ارتفاع أسعار قطع الغيار الجديدة وندرتها، ما يدفع آلاف السائقين للاعتماد على السوق المستعملة. ويقول: “الزبون لا يسأل عن مصدر القطعة، المهم أن تكون أرخص وتعمل”.

أرباح تتوزع عبر حلقات متعددة
لا تقتصر الأرباح على السمسار أو ورشة التفكيك، إذ تمر كل قطعة عبر سلسلة من الوسطاء، تشمل تجار الجملة وأصحاب المحال وورش الصيانة، بينما تبقى السيارة الأصلية خارج أي سجل رسمي.

وبحسب تقديرات غير رسمية لتجار في السوق، فإن شراء هيكل سيارة قديمة بمبلغ يتراوح بين 1500 و3000 دولار، يمكن أن يحقق بعد تفكيكها إيرادات تتجاوز 4000 إلى 6000 دولار، تبعًا لنوع السيارة وحالتها. وقد يعادل ثمن المحرك وحده قيمة السيارة كاملة، في حين تشكل القطع الإلكترونية والهيكل المعدني مصدر دخل إضافي.

عامل سابق في إحدى ورش التفكيك أوضح أن السيارة لا تبقى في الورشة سوى ساعات قليلة، إذ تكون القطع غالبًا مباعة مسبقًا، مضيفًا أن أرباح سيارة واحدة قد تعادل ثمن سيارتين في السوق التقليدية، خاصة إذا كانت من طراز مرغوب.

ووفق شهادته، تُوزع الأرباح ضمن آلية شبه ثابتة، يحصل فيها السمسار على نسبة تتراوح بين 5 و10 بالمئة، بينما يستحوذ صاحب الورشة على الحصة الأكبر، في حين يتقاضى العمال أجورًا يومية منخفضة دون عقود أو ضمانات، ويضيف تاجر الجملة هامش ربح قد يصل إلى 40 بالمئة عند إعادة البيع.

القطع المستعملة كخيار شبه وحيد
مع ارتفاع تكاليف الصيانة وقطع الغيار، باتت القطع المستعملة الخيار شبه الإجباري لمعظم السوريين. ويقول مصطفى عزام، صاحب محل لبيع قطع السيارات، إن القطع الجديدة إن وُجدت تُباع بأسعار تفوق القدرة الشرائية، مضيفًا أن “محركًا مستعملًا قد يعادل راتب موظف لعدة أشهر”.

ويشير إلى أن المستفيد الحقيقي من سوق التفكيك هم أصحاب الشبكات القادرة على التحكم بتدفق السيارات والقطع، موضحًا أن أصحاب المحال غير المرتبطين بهذه الشبكات غالبًا ما يحصلون على قطع أقل جودة وبأسعار أعلى.

انعكاسات على الاقتصاد وقطاع النقل
ويرى أحمد مرهج، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، أن توسع سوق تفكيك السيارات القديمة يعكس اتساع اقتصاد الظل في سوريا، وما يحمله من آثار سلبية مباشرة على البنية الاقتصادية.

ويشرح مرهج أن هذا النشاط يحوّل سيارات قابلة للاستخدام أو الإصلاح إلى أصول مفككة، ما يؤدي إلى تآكل رأس المال المادي بدل إدخاله في دورة إنتاجية أو خدمية منظمة. كما يسهم في تقليص حجم الأصول المسجلة رسميًا، ويضعف القدرة على تنظيم قطاع النقل مستقبلًا.

ويضيف أن غياب الإطار الضريبي والرقابي يحرم الخزينة العامة من إيرادات محتملة، في وقت تعاني فيه المالية العامة من عجز، فضلًا عن تشويه آليات التسعير نتيجة بيع قطع مجهولة المصدر وفق منطق الندرة والاحتكار.

ويحذّر مرهج من أن استمرار هذا السوق دون تنظيم قد يؤدي إلى ترسيخ شبكات احتكارية، وتوسيع فجوة عدم المساواة، وزيادة مخاطر سرقة السيارات، إضافة إلى إضعاف أي محاولات مستقبلية لإصلاح سوق السيارات أو إدخال سياسات ضريبية فعّالة، ما يعزز ما يصفه بـ“اقتصاد التفكيك” القائم على استنزاف الموجودات بدل خلق قيمة مضافة.

اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.