الاستثمار التركي في سورية: فرص واعدة تصطدم بالهواجس الأمنية

يشهد ملف الاستثمار التركي في سورية اهتماماً متصاعداً من قبل رجال أعمال أتراك وسوريين حاصلين على الجنسية التركية، في ظل متغيرات قانونية وسياسية اعتُبرت مشجعة، أبرزها صدور قانون استثمار سوري جديد يمنح تسهيلات في التملك وإعفاءات ضريبية، إلى جانب رفع العقوبات الأوروبية والأميركية عن سورية، وفي مقدمتها قانون “قيصر” خلال الشهر الماضي.

وبحسب معطيات اقتصادية، انتقل الاستثمار في سورية بالنسبة للحكومة التركية ودوائر الأعمال من مستوى الطرح النظري إلى مرحلة الاستكشاف العملي وإعداد دراسات الجدوى، وهو ما تجلّى في زيارات متعددة لوفود من غرف تجارة قونية وغازي عنتاب، إضافة إلى وفود حكومية تركية، وزيارتين لممثلي جمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك (موصياد)، الذين أعلنوا الشروع في إعداد دراسات فنية لتطوير مشاريع محتملة وفق مقاربة قطاعية، بهدف تقييم فرص التجارة والاستثمار على الأرض.

موقف تركي رسمي داعم
في هذا السياق، يرى مستشار وزارة النقل التركية، جلال ديمير، أن التوجه نحو الاستثمار في سورية يُعد قراراً حكومياً تركياً واضحاً ومعلناً، مؤكداً أن أنقرة، وبتوجيهات من الرئيس رجب طيب أردوغان، تسعى إلى تقديم الدعم اللازم لتمكين سورية من النهوض مجدداً، في ظل ما تعانيه من دمار واسع وتراجع حاد في العديد من القطاعات الحيوية.

ويتوقع ديمير توسع الاستثمارات والمشاريع الحكومية التركية خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما في قطاعات النقل، واستكشاف الطاقة، والبناء، والتكنولوجيا، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن المخاوف والتحديات الأمنية لم توقف زيارات الاستكشاف والمفاوضات، سواء من قبل الوفود الحكومية أو ممثلي “موصياد” وغرف التجارة أو المستثمرين الأفراد.

وكشف ديمير، في تصريحات لـ“العربي الجديد”، عن وجود استثمارات حكومية تركية قيد التشكيل، تشمل تعاوناً محتملاً بين مؤسسة البريد في دمشق ودائرة البريد والتلغراف الوطنية التركية (PTT)، إضافة إلى تعاون بين المصرف المركزي في دمشق ومصرف “زراعات” التركي، ومشاريع مع شركة “تروكسل” وشركتي الاتصالات في سورية. كما أشار إلى صفقات في قطاع الطاقة قد تصل قيمتها إلى نحو 11 مليار دولار، من بينها خط أنابيب الغاز الممتد من كيليس إلى حلب، الذي أُنجز في مايو/أيار 2025، فضلاً عن استثمار تركي–قطري–أميركي مشترك في مطار دمشق الدولي.

ورغم إقراره بأن عدد المشاريع المنفذة فعلياً ما يزال محدوداً، يعتبر ديمير أن المرحلة الحالية “مبشّرة”، إذ تتركز على تقييم المخاطر، متوقعاً أن يؤدي أي تحسن في الوضع الأمني إلى جذب شركات صناعية تركية كبرى، مستفيدة من توفر اليد العاملة وانخفاض تكاليف الإنتاج، إضافة إلى احتمال عودة استثمارات سورية من تركيا، التي يُقدَّر عدد شركاتها بنحو 10 آلاف شركة.

بيئة جاذبة… وتحفظات قائمة
على مستوى المستثمرين الأفراد، يوضح الطبيب والمستثمر “م. ج” أنه زار سورية مرتين خلال العام الماضي لاستكشاف فرص الاستثمار في مجال القطاع الطبي الرقمي، من دون الخوض في التفاصيل لكونها ما تزال قيد التفاوض. ويشير إلى أن سورية تمتلك مقومات بيئة استثمارية جاذبة، إلا أن استمرار الهواجس الأمنية واحتمالات الاضطرابات يجعله متردداً في اتخاذ قرار نهائي بانتظار اتضاح المشهد بشكل أكبر.

في المقابل، اتخذ رجل الأعمال “ج. أ” قراراً مغايراً، إذ نقل أكثر من 70% من كوادر شركته العاملة في تركيا إلى مدن دمشق وحلب وحمص. ويقول رجل الأعمال السوري الحاصل على الجنسية التركية إنه كان من أوائل من رخصوا شركة مالية في سورية بعد نقل معظم مقرات عمله من تركيا وإحدى الدول الخليجية، معتبراً أن الاستثمار في سورية يستحق المخاطرة، وأن التحديات القانونية أو الخدمية لا ينبغي أن تشكّل عائقاً أمام عودة السوريين والمساهمة في إعادة البناء بعد المرحلة السابقة.

من جهتها، ترى سيدة الأعمال التركية ديليك آتشان أن الوضع الأمني يشكّل العائق الأساسي أمام تدفق رؤوس الأموال، إلى جانب غياب خريطة استثمارية واضحة المعالم. وتشير إلى أن احتياجات إعادة الإعمار في سورية لا تقتصر على القطاع العقاري، بل تشمل قطاعات أساسية مثل الزراعة والصحة والتعليم.

وتلفت آتشان إلى أن المنافسة الإقليمية تبقى قوية، معتبرة أن مصر تُعد حالياً من أكثر الدول جذباً للاستثمارات التركية، بفضل التسهيلات المقدمة واتفاقيات التصدير ذات الامتيازات الجمركية، ما يجعل سورية هدفاً محتملاً للاستثمار التركي، لكن بشرط توافر بيئة أمنية واضحة ومستقرة.

تحركات رسمية سورية
في المقابل، تدرك الحكومة السورية أهمية الاستثمارات التركية، ولا سيما في ما يتعلق بمحاولات استعادة رؤوس الأموال السورية الموجودة في تركيا، والتي قدّرها الاقتصادي عمر كاراباسان بنحو 10 مليارات دولار. وفي هذا الإطار، قام وزير الاقتصاد السوري، محمد نضال الشعار، بزيارتين إلى تركيا بهدف إعادة تفعيل مجلس رجال الأعمال المشترك.

كما بحث المدير العام لهيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، مع السفير التركي في دمشق نوح يلماز، سبل تعزيز التعاون الاستثماري، وقدم عرضاً حول قانون الاستثمار الجديد ومزاياه، إلى جانب لقاء وفد من شركات تركية متخصصة في تطوير المدن الصناعية والمناطق الحرة الحدودية، لبحث فرص الشراكة في مشاريع البنية التحتية.

وشهد عام 2025 توقيع عدة اتفاقيات بين الجانبين، شملت إعادة تأسيس المجلس التجاري المشترك، ومذكرات تفاهم في مجالات الجمارك وإعادة الإعمار، إضافة إلى إنشاء لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة (JETCO) في أغسطس/آب 2025، مع استمرار المفاوضات بشأن اتفاق شراكة اقتصادية شاملة (CEPA)، في مسعى لتعزيز الإطار المؤسسي للتعاون الاقتصادي بين البلدين.

اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.