حلب بعد الحرب: تقرير الغارديان يرصد عودة السوريين إلى الركام وإعماراً بلا دولة

في مدينة حلب التي ما تزال آثار الحرب محفورة في شوارعها وأحيائها، تبرز منطقة العامرية نموذجاً صارخاً لمحاولات العودة وإعادة الإعمار الفردي في غياب الدولة والمؤسسات، حيث يحاول السكان ترميم منازلهم المدمّرة بإمكانات محدودة وإصرار شخصي يسبق خطط الحكومات والمنظمات الدولية.

وفي تقرير حديث، ترسم صحيفة الغارديان البريطانية صورة قاسية لعودة السوريين إلى أنقاض منازلهم، في مشهد يجمع بين الحنين إلى الماضي والخوف من مستقبل غامض، وسط بنية تحتية شبه منهارة وغياب الخدمات الأساسية.

حياة تتحدى الدمار في العامرية:

تحت مبانٍ متهالكة تتدلّى ألواحها الخرسانية في الهواء، يحاول سكان العامرية استعادة مظاهر الحياة اليومية، من بائع يشوي الكباب على موقد بدائي، إلى أطفال يلعبون بين الأنقاض، وشبان ينبشون الركام بحثاً عن حجارة قديمة لإعادة ترميم بيوتهم، معتبرين أن “مواد الماضي أفضل من الجديدة”.

وتشير الغارديان إلى أن هذا المشهد يتكرر في آلاف الأحياء السورية التي استقبلت نحو ثلاثة ملايين عائد من الخارج ومخيمات النزوح في شمال سوريا، عقب سقوط نظام الأسد، حيث وجد العائدون أحياءً بلا ماء أو كهرباء، وسط تضخم مرتفع وإيجارات باهظة، ما دفعهم إلى السكن فوق أنقاض بيوتهم.

“أبو عرب”… قصة عودة إلى منزل بلا سقف:

يبرز “أبو عرب” كنموذج للسوري العائد بعد 13 عاماً من النزوح، ليجد منزل عائلته بلا سقف وأعمدته مكشوفة. ورغم إصابته في ساقه نتيجة سنوات الخدمة الإجبارية والاعتقال في جيش النظام، يصر على النوم في المنزل لحراسة مواد البناء من السرقة، في محاولة لإعادة إعمار ما تبقى من حياته.

ويستعيد التقرير ذكريات منزل بناه والده الطبيب بأجود أنواع الخرسانة، ليكون ملاذاً عائلياً يضم مرآباً تحوّل إلى عيادة، وقبواً لتخزين المؤن، وسطحاً كان مسرحاً لليالي الصيف قبل أن تبتلع الحرب كل شيء.

مدينة مدمرة وإعمار فردي محفوف بالمخاطر:

وبحسب تقديرات نقلتها الغارديان عن مسؤول محلي، فإن نحو ثلثي مدينة حلب مدمّر، فيما قد تستغرق إزالة الأنقاض سنوات طويلة. وتشير الصحيفة إلى أن جهود الإعمار الحالية تتم بشكل فردي وغير منظم، ما يجعل الكثير من الأبنية المرمّمة عرضة لمخاطر إنشائية.

ورغم ذلك، لا يملك السكان خياراً آخر، في ظل غياب بدائل سكنية وانعدام القدرة على تحمّل الإيجارات المرتفعة.

الأسواق القديمة… ذاكرة تحاول البقاء:

في الأسواق القديمة بحلب، وعلى رأسها سوق المدينة الذي يعد من أكبر الأسواق المسقوفة في العالم، يحاول التجار العودة إلى محالهم وخاناتهم التي دمّرها القصف والزلزال.

ويعرض التقرير قصة “أنس”، التاجر الحلبي الذي تحول من رجل أعمال إلى مقاتل معارض بعد تعرّضه للإهانة من قبل أجهزة النظام، قبل أن يعود من المنفى ليجد متجره مدمّراً، ويصطدم اليوم بمنافسة البضائع الصينية الرخيصة التي أغرقت الأسواق في ظل غياب الرسوم الجمركية، ما يهدد ما تبقى من الصناعة المحلية وفرص العمل.

ذاكرة الحرب ومخاوف عودتها:

تستحضر الغارديان مشاهد الأنفاق التي حفرتها الفصائل المسلحة داخل المنازل لربط الأبنية ببعضها، وما خلّفته من دمار طال غرف الأطفال والمطابخ، فيما تحوّلت بعض أحياء حلب بعد عام 2017 إلى مناطق مهجورة تعرضت لنهب ممنهج شمل كابلات الكهرباء وأنابيب المياه.

ورغم محاولات العودة إلى الحياة، يبقى الخوف من تجدد العنف حاضراً، خاصة مع استمرار التوترات والقصف المتقطع في محيط المدينة، ما يعزز شعور السكان بعدم الاستقرار.

أمل هشّ وسط الركام:

ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن السوريين في حلب يواصلون إعادة بناء مدينتهم لبنةً لبنة، لا انطلاقاً من ثقة بمستقبل مستقر، بل لأنهم لا يملكون بديلاً آخر.

بين الركام والذاكرة، وبين الخوف والإصرار، يبقى هذا الأمل الهشّ هو الخيار الوحيد المتاح لأهالي المدينة المنهكة.

إقرأ أيضاً: طرطوس تغرق في النفايات.. شكاوى من إهمال الأحياء الفرعية وتحذيرات من كارثة بيئية

إقرأ أيضاً: بين الإهمال ونقص الخدمات: الأحياء الشرقية في حلب تواجه ظروف قاسية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.