حيوانات حديقة العدوي تحت الحرارة والأقفاص.. أين تقف رقابة الحكومة؟

في حديقة الحيوانات بمنطقة العدوي في دمشق، لا تبدو المسألة مجرد أقفاص تضم أسوداً ودببة وجاغوار وطيوراً وحيوانات صغيرة. ما يظهر خلف القضبان يفتح سؤالاً أوسع عن الطريقة التي تُدار بها حياة هذه الحيوانات، ومن يراقب شروط إيوائها، وما إذا كانت وعود إعادة التأهيل تحولت فعلاً إلى رعاية مستدامة، أم بقي جزء منها عند حدود البنية الإنشائية والمظهر العام.

وخلال زيارات ميدانية أجريت في أوقات مختلفة خلال الشهرين الماضيين، رُصدت حيوانات في مساحات محدودة وتحت أسقف إسمنتية أو ألواح توتياء، مع مؤشرات على ارتفاع الحرارة وضعف التهوية في بعض الأقسام. كما بدت بعض الحيوانات المفترسة في حالة خمول واضحة، مع ملاحظات على النحافة أو تغيرات في الجلد والريش لدى حيوانات أخرى.

هذه المشاهد لا تكفي وحدها لتشخيص مرض أو إثبات سوء معاملة، لكنها تكفي لطرح أسئلة لا يمكن حسمها إلا بكشف بيطري مباشر. وهو ما دفع نقابة الأطباء البيطريين في سوريا إلى التحرك لتشكيل لجنة خماسية للكشف على الحيوانات وتقييم وضعها الصحي وبيئة إيوائها.

مؤشرات صحية تحتاج إلى إجابة

عرضت معدة التحقيق صوراً لطبيب بيطري فضّل عدم كشف اسمه، فأكد أن الصور لا تسمح بتشخيص نهائي، لكنه لفت إلى علامات تستدعي الفحص، بينها فقدان الريش لدى ببغاء من نوع الإكلكتوس، وخمول وهزال محتمل لدى بعض الحيوانات المفترسة.

وأشار إلى أن نتف الريش قد يرتبط بسوء التغذية أو صغر القفص أو نقص الحركة أو عوامل مرضية، فيما يمكن أن يزيد ارتفاع الحرارة وضعف التهوية والأرضيات الصلبة من الإجهاد لدى الحيوانات التي لا تتلاءم طبيعتها مع مثل هذه الظروف.

ولا تقف الملاحظات عند هذا الحد. فقد وثق توثيق ميداني مستقل درجات حرارة قاربت 40 درجة مئوية، وأرضيات إسمنتية عارية في بعض الأقفاص، ومياه راكدة وضحلة في أحد أحواض الطيور، إلى جانب أقفاص متآكلة ومخلفات في بعض المواقع.

كل ذلك يجعل القضية أبعد من صورة عابرة على وسائل التواصل، ويضع طريقة إدارة الحديقة أمام اختبار مهني وقانوني.

الاستثمار خفف العبء.. لكن من يراقب؟

تقول محافظة دمشق إن الحديقة مملوكة لها وتعمل وفق نظام البناء والتشغيل والتحويل، وإن مسؤولية إطعام الحيوانات وتشغيل الموقع تقع على المستثمر، مع استمرار المحافظة في متابعة حسن تنفيذ الاستثمار.

وتشير المحافظة إلى وجود طبيب بيطري وعيادة وغرف عزل، وإلى أعمال تأهيل وصيانة وأقفاص جديدة. لكن المهندسة المشرفة على الاستثمار أقرت في الوقت نفسه بأن دفتر الشروط لا يتضمن، بحسب قولها، بنوداً تفصيلية كافية تفرض معايير محددة لرعاية الحيوانات.

وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية: نقل مسؤولية الإنفاق والإدارة اليومية إلى مستثمر خاص لا ينقل مسؤولية الرقابة عن الجهة المالكة. فوجود العقد لا يعفي المؤسسة العامة من التأكد من أن الحيوان يحصل على ما يحتاجه من غذاء وتهوية ومساحة ورعاية بيطرية.

الرفاه ليس طعاماً وقفصاً

المعايير الحديثة لرفاه الحيوان لا تختزل الرعاية في إطعام الحيوان وعلاجه عند مرضه. فهي تشمل البيئة والتغذية والصحة والسلوك والحالة النفسية، وتفترض توفير مساحة تسمح بالحركة، وعناصر للإثراء السلوكي، ومناطق للظل والاختباء، وبيئة تتناسب مع احتياجات كل نوع.

وهنا تحديداً تبدو بعض المشاهد الميدانية بحاجة إلى مراجعة. فحيوان مفترس يقضي ساعات طويلة فوق الإسمنت، أو طائر يعيش في قفص ضيق، أو حيوان يتعرض لحرارة مرتفعة من دون مساحة كافية للابتعاد عنها، كلها أوضاع تحتاج إلى تقييم علمي لا إلى الاكتفاء بمتابعة يومية عامة.

كما أن الحديقة التي تستقبل الزوار حتى ساعات متأخرة تحتاج إلى إدارة تأثير الجمهور والضوضاء والإضاءة على الحيوانات، لا سيما مع غياب أماكن كافية يمكن لبعض الأنواع أن تنسحب إليها بعيداً عن حركة الزوار.

غياب المعلومات يضعف الدور التعليمي

المفارقة أن الحديقة لا تقدم نفسها كمكان للترفيه فقط، بل سبق الحديث عن تحويلها إلى مساحة تعليمية. ومع ذلك، تفتقر معظم الأقفاص إلى معلومات كافية عن أسماء الحيوانات وموائلها وغذائها وسلوكها، كما لا يبدو أن هناك دليلاً متخصصاً يرافق الزائر ويحول المشاهدة إلى معرفة.

وهكذا يضيع جزء من الوظيفة التي يفترض أن تؤديها الحديقة: تعليم الأطفال احترام الحيوان وفهم التنوع الحيوي، لا مجرد الوقوف خلف القضبان والتقاط الصور.

الحكومة أمام مسؤولية لا ينهيها عقد الاستثمار

لا تبدو الحكومة السورية الانتقالية أمام قضية رفاه حيوانات فحسب، بل أمام نموذج مصغر لطريقة إدارة المرافق العامة التي تجمع بين الاستثمار الخاص والرقابة الحكومية.

فإذا كانت محافظة دمشق تقول إنها تراقب حسن تنفيذ الاستثمار، فعليها أن تملك إجابة واضحة عن الأسئلة الأساسية: هل توجد سجلات صحية منتظمة لكل حيوان؟ هل تُقاس درجات الحرارة والتهوية بصورة موثقة؟ هل توجد معايير مكتوبة لكل نوع؟ من يتحقق من الغذاء؟ ومن يراجع نتائج الفحوص؟ وما الإجراء المتخذ عند اكتشاف تقصير؟

إلى أن تجيب اللجنة البيطرية عن هذه الأسئلة، تبقى المشاهد الميدانية مجرد مؤشرات، لا أحكاماً نهائية. لكن المؤشر الأكثر إثارة للقلق هو أن منشأة يُفترض أنها مكان للتعريف بالحياة البرية وحمايتها ما تزال بحاجة إلى لجنة تكشف أساسيات الرعاية التي يفترض أن تكون بديهية فيها.

وفي انتظار نتائج الكشف، يبقى السؤال الأهم خارج الأقفاص: هل ستتعامل الحكومة السورية الانتقالية مع الملف باعتباره مشكلة صور وملاحظات، أم باعتباره اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة على فرض معايير واضحة ومحاسبة من يتولى مسؤولية كائنات لا تستطيع الاحتجاج على ظروفها؟

 

اقرأ أيضاً: أزمة القمامة في دمشق وريفها: أضرار بيئية وصحية وتخوف متزايد من تفشي الأمراض والأوبئة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.