تقلّص النفوذ وتبدّل المواقف الدولية: خيارات محدودة أمام وحدات حماية الشعب

تمرّ وحدات حماية الشعب، التي شكّلت سابقًا العمود الفقري لـ قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بمرحلة معقدة في شمال شرقي سوريا، في ظل تراجع سيطرتها الجغرافية وتغير المقاربات الدولية تجاه دورها الأمني والعسكري. ويشير تقرير لتلفزيون سوريا، المقرب من الحكومة السورية الانتقالية، إلى أن هذا التحوّل يضع الوحدات أمام خيارات ضيقة، مع مؤشرات على لجوئها إلى خطاب تعبوي ذي طابع قومي، بالتوازي مع تصاعد الضغوط السياسية والأمنية عليها.

انحسار جغرافي وتراجع في الدور

شهدت وحدات حماية الشعب خلال الفترة الأخيرة تقلصًا ملحوظًا في مناطق نفوذها، بعد أن كانت تسيطر على مساحات واسعة في شمال شرقي سوريا. وبات حضورها يتركز اليوم في شريط جغرافي محدود ضمن محافظة الحسكة، إضافة إلى منطقة عين العرب (كوباني) في ريف حلب.

هذا التراجع تزامن مع إعلان المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، في 20 كانون الثاني/يناير الجاري، انتهاء الدور الرئيسي لـ“قسد” في ملف مكافحة الإرهاب، معتبرًا أن الحكومة السورية باتت قادرة ومستعدة لتولي المهام الأمنية. وقد عُدّ هذا التصريح مؤشرًا واضحًا على تغير في الموقف الأميركي حيال مستقبل “قسد” ووحدات حماية الشعب ضمنها.

تآكل الثقة الدولية

وبحسب معلومات متداولة عن الاتصالات التي جرت بين المبعوث الأميركي وقيادة “قسد”، فإن هذه القوات فقدت جزءًا مهمًا من ثقة واشنطن، لا سيما بعد انسحاب التشكيلات العربية من صفوفها وبقاء وحدات الحماية كقوة رئيسية داخلها. ويُعزى هذا التراجع في الثقة إلى تكرار عدم الالتزام بتطبيق اتفاق الاندماج مع الحكومة السورية، فضلًا عن خطوات وُصفت بأنها أحادية، من بينها فتح بعض السجون التي تضم عناصر سابقين من تنظيم “داعش” دون تنسيق مسبق مع القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة.

في هذا السياق، تراجعت قدرة “قسد” على استخدام ملف المعتقلين كورقة ضغط أو مساومة دولية، خاصة بعد إعلان القيادة الوسطى الأميركية عزمها نقل سجناء من تنظيم “داعش” إلى العراق، ما يعني فقدان أحد أبرز عناصر النفوذ التي كانت تمتلكها.

رهان محدود على الدعم الإسرائيلي

بالتوازي، سعت قيادات في “قسد” إلى استجلاب دعم إسرائيلي، سواء عبر التصريحات الإعلامية أو من خلال قنوات سياسية غير مباشرة. وكان آخر هذه المحاولات ما صرّحت به إلهام أحمد، الرئيسة المشاركة للمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية، عبر قناة “i24” الإسرائيلية في 21 كانون الثاني/يناير، حين اعتبرت أن المرحلة الحالية مناسبة لدعم إسرائيل لـ“قسد”.

غير أن هذا الرهان يبدو محدود النتائج، إذ تشير معطيات سياسية إلى أن تل أبيب لا تعتزم توسيع دعمها بما يتجاوز الإطار السياسي والضغط الدبلوماسي في واشنطن. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها غياب أي تواصل جغرافي مباشر بين إسرائيل ومناطق سيطرة “قسد”، إضافة إلى الإشراف الأميركي المباشر على مسار دمج هذه القوات ضمن مؤسسات الدولة السورية، وهو ما يقلص هامش المناورة أمام أطراف خارجية.

تحذيرات أميركية وضغوط متصاعدة

وكشفت مصادر مطلعة على لقاء جمع المبعوث الأميركي توم باراك بقائد “قسد” مظلوم عبدي في أربيل يوم 18 كانون الثاني/يناير، أن الجانب الأميركي وجّه تحذيرًا صريحًا من محاولات جرّ إسرائيل إلى التدخل في الملف السوري، معتبرًا أن ذلك قد يؤدي إلى صدام بين حلفاء الولايات المتحدة، في إشارة إلى تركيا وإسرائيل.

وتعززت هذه المعطيات بتصريحات وفاء محمد، القيادية في الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في إقليم كردستان العراق، التي أكدت وجود ضغوط أميركية ودولية قوية تهدف إلى الدفع باتجاه حل “قسد” أو إعادة هيكلتها ضمن إطار الدولة السورية. ويأتي ذلك في وقت تستضيف فيه أربيل جلسات تفاوض تتعلق بمستقبل هذه القوات.

احتمالات انسحاب أميركي

زاد من تعقيد المشهد تسريب صحيفة “وول ستريت جورنال” معلومات تفيد بأن الجيش الأميركي يدرس خيار الانسحاب الكامل من سوريا، وذلك بعد يوم واحد من إعلان نقل سجناء “داعش” إلى العراق. ويُنظر إلى هذا السيناريو على أنه احتمال لرفع الغطاء الأميركي عن مناطق في محافظة الحسكة، في حال إغلاق أو إخلاء القواعد المتبقية، وأبرزها قاعدة خراب الجير قرب رميلان.

تصعيد تعبوي وتحركات كردية عابرة للحدود

على الأرض، تشير معطيات ميدانية إلى تدفق مقاتلين أكراد من جنسيات عراقية وإيرانية وتركية إلى مناطق سيطرة وحدات حماية الشعب في ريف الحسكة. وتفيد المعلومات بأن بعض هؤلاء يرتبطون بحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني، المعروف بقربه من حزب العمال الكردستاني.

وتُعزى هذه التحركات إلى جهود قادها سيبان حمو، قائد وحدات حماية الشعب، الذي أجرى زيارات إلى مناطق في إقليم كردستان العراق بهدف تنسيق وتحشيد قوى كردية مختلفة، بالتعاون مع طالباني. ويرى مراقبون أن تطورات الحسكة فتحت المجال أمام أطراف كردية متعددة لاستثمار الملف سياسيًا، سواء لتعزيز نفوذها أو لتحسين موقعها التفاوضي.

تنافس إقليمي وتداخل سياسي

في هذا السياق، يبرز التنافس بين بافل طالباني ومسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يرعى المباحثات الجارية بين المبعوث الأميركي ومظلوم عبدي حول مستقبل “قسد”. كما شهدت الحسكة زيارات لوفود من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب التركي، في محاولة لإبراز حضوره ودوره ضمن المشهد الكردي الأوسع.

وبالتزامن، سُجلت هجمات نفذها أنصار قسد في عدة دول أوروبية، أبرزها ألمانيا، استهدفت لاجئين سوريين عرب، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا على انتقال الصراع من الإطار السياسي إلى بعد قومي وعرقي.

تحديات أمام الحكومة السورية

في ظل هذه التطورات، تبرز تحديات كبيرة أمام الحكومة السورية، التي تجد نفسها مطالبة بإدارة ملف معقد يتداخل فيه الأمني بالقومي والسياسي. ويرى محللون أن تفادي الانجرار إلى صراع عرقي يتطلب حصر المعالجة الأمنية بيد الجيش السوري النظامي، ومنع مشاركة أي تشكيلات غير نظامية في مواجهات مع “قسد”، إلى جانب فرض رقابة صارمة لمنع أي تجاوزات.

كما يلفتون إلى أهمية إطلاق مسار سياسي جاد مع القوى الكردية لمناقشة آليات تثبيت الحقوق الكردية ضمن الدستور السوري، وعدم الاكتفاء بإجراءات جزئية، بما في ذلك المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع مؤخرًا، والذي تضمن الإقرار بجملة من الحقوق الكردية.

في المحصلة، تعكس التطورات الجارية حجم التحولات التي تشهدها خريطة النفوذ في شمال شرقي سوريا، وتضع وحدات حماية الشعب أمام مفترق طرق، في ظل تراجع الدعم الخارجي وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية، وسط مخاوف من أن يؤدي التصعيد القومي إلى تعقيد المشهد أكثر في المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضاً:إحصائية 2026: 23 ألف قاطن في مخيم الهول المحظور أمنياً

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.