الجدل الكردي حول «قسد» ومستقبل الكرد في سوريا بعد عودة سيطرة دمشق
تشهد الأوساط الكردية في سوريا جدلاً واسعاً حول التطورات الأخيرة المتعلقة بـقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في ظل استعادة الحكومة السورية الانتقالية السيطرة على مساحات واسعة من شمال وشرق البلاد. ويتراوح توصيف ما جرى بين كونه تراجعاً سياسياً فرضته التحولات الإقليمية والدولية، وبين اعتباره إعادة تموضع تكتيكية بانتظار تسوية سياسية جديدة ترسم ملامح مستقبل الكرد في سوريا.
عودة الدولة المركزية وتحول الموقف الأميركي:
عززت الحكومة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، نفوذها على معظم الجغرافيا السورية، بما فيها مناطق كانت خاضعة لسيطرة «قسد». هذا التحول السريع أعاد سوريا عملياً إلى سلطة الدولة المركزية في دمشق، وكشف في الوقت نفسه عن تغير لافت في السياسة الأميركية تجاه الملف السوري.
«قسد»: خسارة سياسية لا انهيار عسكري:
تؤكد مصادر مقربة من قيادة «قسد» لصحيفة “الشرق الأوسط” أن القوات لم تدخل في مواجهات عسكرية واسعة، ولا تزال تحتفظ بقوام عسكري يُقدَّر بنحو 40 ألف مقاتل، معتبرة أن ما حدث يمثل خسارة سياسية أكثر منه هزيمة عسكرية. وتشير هذه المصادر إلى أن جوهر التحول يعود إلى تغيير في المقاربة الأميركية، حيث فضّلت واشنطن التعاون مع الدولة السورية الجديدة في إطار الحرب على الإرهاب، إلى جانب العمل على تحسين علاقتها بـ “إسرائيل” وتفادي الصدام مع تركيا.
تباينات داخلية وتأثيرات خارجية:
يرى الباحث الكردي جبار قادر في حديثه لـ “الشرق الأوسط” أن «قسد» تضم مظلة عسكرية متعددة الإثنيات والانتماءات، ما أفرز تباينات داخلية في الرؤى السياسية. ولا يستبعد قادر تأثير قيادات «حزب العمال الكردستاني» في عملية صنع القرار، مشيراً إلى أن رسائل زعيم الحزب المسجون كان لها أثر مباشر في توجيه بعض الخيارات.
وبحسب قادر، نشأت داخل «قسد» أجنحة براغماتية فضّلت تجنب الصدام مع دمشق، مقابل جناح آخر راهن على الدعم الأميركي والغربي، خاصة بعد دور «قسد» في محاربة تنظيم «داعش». هذا التباين ازداد تعقيداً مع انتشار القوات في مناطق ذات غالبية عربية، ومع نشوء السلطة السورية الجديدة.
قراءة خاطئة للتحولات السياسية:
يخلص عدد من الباحثين إلى أن القيادات الكردية لم توفَّق في قراءة التحولات الإقليمية والدولية، ما أضعف وحدة القرار السياسي والعسكري داخل «قسد»، وقلّص قدرتها على فرض شروط تفاوضية واضحة. كما يُتداول اسم بعض القيادات المتشددة بوصفها ساهمت في التصعيد الأخير، خصوصاً في مدينة حلب.
انقسام أم تعدد آراء؟
في المقابل، يرى الباحث الكردي هوشنك وزيري أن تعدد الآراء داخل «قسد» أمر طبيعي ولا يرقى إلى انقسام حقيقي، مشيراً إلى أن الأزمة ترتبط أساساً بالموقف التركي من القضية الكردية في سوريا. ويؤكد أن ما جرى لا يمكن وصفه بالاستسلام، بل بمحاولة للدفاع عن المناطق ذات الغالبية الكردية، محذراً من تكرار سياسات الإقصاء السابقة.
دور إقليم كردستان العراق في التهدئة:
برز في هذا السياق دور الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، حيث يؤكد مستشار الحزب كفاح محمود أن أربيل لعبت دوراً محورياً في دعم الحوار بين «قسد» ودمشق، بالتوازي مع جهود تهدئة بين تركيا و«حزب العمال الكردستاني». ويشير إلى أن هذه الجهود أسهمت في وقف إطلاق النار الأخير وإعادة فتح قنوات الحوار.
سيناريوهات مستقبل شمال شرقي سوريا:
يتفق معظم المراقبين على أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في التوصل إلى تسوية سياسية مع دمشق، حتى لو تطلب ذلك تنازلات صعبة، مثل دمج «قسد» في الجيش السوري وتقليص صلاحياتها الإدارية والعسكرية. في المقابل، يُعد التوسع التركي المحتمل السيناريو الأخطر، لما قد يحمله من تغييرات ديموغرافية وأمنية، إضافة إلى خطر عودة تنظيم «داعش».
وتقول “الشرق الأوسط” إنه في المحصلة، يتفق معظم المراقبين الكرد على أن مستقبل مناطق شمال شرقي سوريا بات رهناً بتسوية مع دمشق، مهما كانت كلفتها، باعتبارها أقل الخيارات خسارة في ظل توازنات القوى الراهنة.
إقرأ أيضاً: وول ستريت جورنال: واشنطن تدرس سحب قواتها من سوريا
إقرأ أيضاً:خسائر قاسية لقسد وانقسام كردي حاد بعد تراجع السيطرة في شمال شرق سوريا