تذبذب أسعار الوقود في سوريا: أزمة بنيوية تعمّق التضخم وتضغط على معيشة السوريين

في مشهد اقتصادي متأزم يلقي بثقله على الحياة اليومية للسوريين، تشهد أسعار المشتقات النفطية في سوريا حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار، وسط ما يمكن وصفه بـ«السيولة السعرية»، حيث لم تعد التسعيرة ثابتة أو قابلة للتوقع، بل باتت انعكاساً مباشراً لاختلالات عميقة تضرب بنية الاقتصاد الكلي.

وخلال الشهر الجاري فقط، سجلت الأسواق السورية سبعة تعديلات سعرية متتالية صعوداً وهبوطاً، بمعدل تغيير كل ثلاثة أيام تقريباً، في إيقاع متسارع يربطه خبراء اقتصاديون بالتقلبات الحادة في سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية، ما جعل فاتورة الوقود أكثر عناصر الإنفاق حساسية وتأثراً بالأزمات المتراكمة.

أرقام تقود موجة تضخم شاملة:

لم تكن تقلبات أسعار المازوت والبنزين مجرد أرقام تقنية، إذ تراوح سعر لتر المازوت بين 86.8 و93.75 ليرة جديدة، بينما تحرك سعر بنزين أوكتان 90 بين 98.4 و106.25 ليرة جديدة. هذه التغيرات السريعة شكلت محركاً رئيسياً لموجة تضخمية واسعة طالت مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور سامر الرحال أن اختزال الأزمة في قرارات تسعير متفرقة يمثل قراءة قاصرة للواقع، موضحاً أن الوقود بات يشكل اليوم “عصب التكاليف” في الاقتصاد السوري، حيث تنتقل أي زيادة في سعره مباشرة إلى قطاعات النقل والصناعة والزراعة، وصولاً إلى الخبز وسلة الغذاء الأساسية.

ويحذر الرحال من أن هذا الواقع يكرّس حالة من تضخم دفع التكاليف، ما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر السورية ويدفع الاقتصاد نحو مسار الركود التضخمي، في ظل محدودية الدخل وتراجع الإنتاج.

تعدد أسعار الصرف وجذور الهشاشة:

ويرجع الرحال هذه الهشاشة السعرية إلى عوامل بنيوية، أبرزها ضعف الاحتياطي من القطع الأجنبي وتعدد أسعار الصرف، ما يجعل السوق السورية شديدة الحساسية لأي اهتزاز في سعر الدولار.

كما يشير إلى أن الدولة السورية، التي اعتمدت لسنوات على دعم المحروقات كأحد أكبر بنود الإنفاق العام، وجدت نفسها أمام عجز مالي متزايد وإيرادات متراجعة، الأمر الذي دفعها إلى تقليص الدعم تدريجياً واللجوء إلى تعديلات سعرية مفاجئة، أسهمت في زعزعة الثقة بالسياسات الاقتصادية وتوسيع نشاط الأسواق السوداء.

عوامل لوجستية وجيوسياسية تعقّد المشهد:

من جانبه، يلفت الخبير الاقتصادي حسام عايش إلى أن الأزمة لا تنفصل عن تعقيدات لوجستية وجيوسياسية، أبرزها العجز المحلي في إنتاج النفط نتيجة تضرر البنية التحتية.

ويؤكد أن هذا الواقع يفرض على دمشق الاعتماد المتزايد على الاستيراد، ما يجعل السوق السورية رهينة لتقلبات أسعار الطاقة العالمية والمتغيرات السياسية في الدول الموردة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن ومخاطر النقل الناجمة عن العقوبات الاقتصادية، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار المرتبطة بإصدار العملة الجديدة.

مخارج ممكنة لأزمة الوقود في سوريا:

في إطار البحث عن حلول مستدامة، يدعو عايش إلى تجاوز المعالجات الإسعافية، وطرح حزمة من الإجراءات، أبرزها:

1- اعتماد سياسة تسعير دورية واضحة (أسبوعية أو شهرية) قائمة على مرجعيات عالمية شفافة

2- الإسراع في إعادة تأهيل الآبار النفطية المحلية لزيادة الإنتاج

3- إنشاء احتياطي استراتيجي من المشتقات النفطية للتدخل في أوقات الذروة والأزمات

4- تنويع مصادر الاستيراد للحد من مخاطر التبعية لسوق واحدة

خلاصة:

تكشف أزمة تذبذب أسعار الوقود في سوريا عن غياب الاستقرار النقدي والمالي، وتنذر بمزيد من الضغوط على المستوى المعيشي وتآكل ما تبقى من ركائز النشاط الاقتصادي. وفي ظل استمرار النهج الحالي، يصبح إصلاح ملف الطاقة مدخلاً إلزامياً لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي ومستدام في سوريا على المديين المتوسط والبعيد.

إقرأ أيضاً: استعادة النفط والسدود إلى إشراف الدولة: ما فرص الاكتفاء الذاتي للطاقة في سوريا؟

إقرأ أيضاً: استعادة الحقول النفطية الكبرى شرق سوريا: دلالات اقتصادية وحدود التأثير على الإيرادات

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.