ارتفاع الأسعار في سوريا يثقل كاهل الأسر ويحوّل التقشف إلى أسلوب حياة
لم يعد ارتفاع الأسعار في سوريا مجرد أرقام تتغير في الأسواق، بل تحول إلى عبء يومي يضغط على آلاف الأسر التي تواجه ارتفاعاً متواصلاً في تكاليف المعيشة، مقابل دخول لم تعد قادرة على تغطية الاحتياجات الأساسية.
ومن أسعار الخبز والمواد الغذائية إلى إيجارات المنازل وتكاليف المواصلات والخدمات، تتسع الفجوة بين دخل الأسرة السورية ونفقات المعيشة، ما يدفع كثيراً من العائلات إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتخلي عن عدد من الاحتياجات أو تأجيلها.
وباتت الملابس والترفيه وبعض المشتريات المنزلية من الكماليات بالنسبة إلى أسر عديدة، في وقت تتركز فيه النفقات على تأمين الطعام والسكن والمواصلات. كما لجأت أسر أخرى إلى العمل الإضافي، أو الاستدانة، أو الاعتماد على الحوالات المالية والمساعدات لتغطية ما تبقى من احتياجاتها.
ارتفاع تكاليف المعيشة يستنزف دخل الأسر السورية
تجسد قصة منى إبراهيم، 42 عاماً، من مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا، جانباً من الضغوط التي تواجهها الأسر السورية في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
تقول منى لـ”963+” إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخبز وإيجارات المنازل يستنزف راتبها الشهري خلال فترة قصيرة. وتعيش منى مع أسرتها المؤلفة من خمسة أفراد، وتستهلك العائلة نحو ربطتي خبز يومياً، فيما تصل كلفة الخبز وحده إلى نحو 250 ألف ليرة سورية شهرياً.
كما ارتفع إيجار منزلها من 500 ألف إلى 800 ألف ليرة سورية، ما جعل جزءاً كبيراً من دخلها يذهب إلى السكن والطعام.
ورغم أن راتبها يبلغ نحو 1.5 مليون ليرة سورية شهرياً، تؤكد منى أنه لم يعد كافياً لتغطية الاحتياجات الأساسية، مضيفة: “نحسب كل ليرة قبل أن ننفقها وأصبحنا نستغني عن كثير من الأشياء التي كانت من أساسيات حياتنا”.
وتعتمد الأسرة في تغطية بقية المصاريف على دخل زوجها الذي يعمل بشكل متقطع، إلى جانب مبالغ مالية يرسلها ابنها الأكبر المقيم في لبنان. كما اضطرت الأسرة إلى تأجيل شراء الملابس وبعض المستلزمات المنزلية.
الرواتب لا تواكب نفقات الأسرة
حال محمود عبد الله، 38 عاماً، موظف وأب لأربعة أطفال، لا يختلف كثيراً. ويقول لـ”963+” إن راتبه الشهري لا يغطي سوى جزء محدود من نفقات أسرته، رغم الزيادة التي طرأت على الأجور.
ويضيف: “أدفع ما يقارب 400 ألف ليرة شهرياً على المواصلات، فيما تتجاوز نفقات الطعام والشراب مليوني ليرة. لم نعد نشتري إلا الضروريات، وأي مصروف إضافي نحاول تأجيله إلى الشهر التالي”.
ويقدر محمود إجمالي نفقات أسرته بنحو 5.5 ملايين ليرة سورية شهرياً، الأمر الذي دفعه إلى العمل بعد انتهاء دوامه الرسمي في محل تجاري لتأمين بقية المصاريف.
ويؤكد أن ارتفاع الأسعار في سوريا جعل الراتب يفقد جزءاً كبيراً من قيمته خلال فترة قصيرة من الشهر، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية.
الضغوط المعيشية تغيّر نمط حياة الأسرة السورية
تقول الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع تغريد استانبولي لـ”963+” إن الظروف الاقتصادية التي يعيشها السوريون يصعب وصفها بأنها مجرد حالة من التأقلم، لأنها تفرض نفسها في ظل واقع يتسم بعدم الاستقرار والتغير المستمر.
وتوضح أن الفرد يحاول إعادة تنظيم نمط حياته بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية الجديدة، لكنه سرعان ما يواجه تغيرات أخرى تعيده إلى حالة من القلق والحيرة والتخطيط المستمر لتأمين الاحتياجات.
وترى استانبولي أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، بالتزامن مع دخول لا تكاد تغطي الاحتياجات الأساسية، بات يشكل مصدراً متزايداً للضغط النفسي والاجتماعي، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الكهرباء والمياه والاتصالات وغيرها من الخدمات الأساسية.
وتشير إلى أن اتساع الفجوة بين الدخل ونفقات الحياة اليومية ينعكس بصورة أكبر على الأسر التي لديها أطفال، بينما تصبح الظروف أكثر صعوبة بالنسبة للأسر التي لا تمتلك معيلًا أو للأفراد العاطلين عن العمل.
القلق والضغط النفسي نتيجة الغلاء
بحسب استانبولي، تؤثر الضغوط المعيشية الناتجة عن غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية في الصحة النفسية للأفراد، نتيجة التوتر المستمر المرتبط بمحاولة تأمين متطلبات الحياة.
وتلفت إلى ظهور حالات من القلق والاكتئاب والانسحاب من الحياة الاجتماعية، ولا سيما بين الشباب والنساء، إضافة إلى تأثر الأطفال بالظروف الاقتصادية الصعبة، بما قد يستدعي في بعض الحالات تدخلاً متخصصاً.
وترى أن هذه الضغوط دفعت الأسر السورية إلى تطوير مجموعة من آليات التكيف، بينها الشراء بالدين، وتبادل المواد والاحتياجات بين الجيران، والاعتماد على الجمعيات الخيرية، في محاولة لتوفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.
تعدد المعيلين داخل الأسرة لمواجهة الغلاء
لم تعد الأسرة السورية تعتمد بالضرورة على دخل معيل واحد، وفق استانبولي، إذ أصبحت الزوجة والأولاد في عدد متزايد من الأسر جزءاً من منظومة تأمين الدخل.
وتشير إلى توجه أعداد من النساء إلى سوق العمل، أحياناً بغض النظر عن مدى توافق فرص العمل المتاحة مع قدراتهن وإمكاناتهن، في حين يعمل بعض الأطفال لمساعدة أسرهم، ما يضعهم أمام خيار صعب بين الدراسة والعمل، وقد يدفع بعضهم إلى ترك المدرسة.
كما أصبحت الحوالات المالية من الخارج مصدراً مهماً للدخل بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر، بالتوازي مع البحث عن قريب أو صديق يعمل خارج البلاد للمساعدة في تأمين المصاريف.
“الترشيد القسري” يفرض نفسه على الأسر
تصف استانبولي ما يحدث بأنه نوع من “الترشيد القسري”، إذ تضطر بعض الأسر إلى تقليل كمية الطعام أو الاكتفاء بوجبة أو وجبتين يومياً، من دون ضمان الحصول على العناصر الغذائية الأساسية.
وفي هذه الحالات، تتحول الوجبة من وسيلة للتغذية إلى وسيلة للاستمرار، في انعكاس مباشر لتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الغذاء.
وتقول استانبولي إن الأزمة الاقتصادية في سوريا لم تعد تقتصر على ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وإنما أسهمت في تغيير أنماط الحياة داخل الأسرة، التي انتقلت من الاستهلاك إلى التدبير المستمر، ومن الاعتماد على معيل واحد إلى تعدد مصادر الدخل.
كما أعيد تعريف مفهوم “الأساسي” و”الكمالي”، فأصبح الأساسي بالنسبة إلى كثير من الأسر ما يضمن استمرار الحياة، بينما يمكن تأجيل أو إلغاء العديد من الاحتياجات التي كانت تعد في السابق جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.
الأسواق الشعبية والملابس المستعملة كبدائل
دفعت الضغوط الاقتصادية كثيراً من السوريين إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، من خلال التوجه إلى الأسواق الشعبية وشراء سلع ومواد غذائية منخفضة الجودة أو مجهولة المصدر، وفق استانبولي.
كما ازداد الاعتماد على أسواق الملابس المستعملة، التي أصبحت بالنسبة إلى بعض الأسر خياراً أكثر ملاءمة من شراء ملابس جديدة بأسعار مرتفعة، خصوصاً مع تراجع القدرة على تحمل النفقات غير الأساسية.
وتؤدي الجمعيات الخيرية بدورها دوراً في توفير بعض الخدمات، ولا سيما الصحية منها، لعدد من الأسر والحالات المحتاجة، إلا أن محدودية إمكاناتها تجعلها غير قادرة على تغطية جميع الاحتياجات، ما يبقي فجوة واسعة بين حجم الاحتياجات والمساعدات المتاحة.
ارتفاع الأسعار يهدد بتغييرات أعمق في المجتمع السوري
تحذر استانبولي من أن استمرار ارتفاع الأسعار في سوريا بالتزامن مع ثبات الدخول قد يؤدي إلى تحولات أعمق في بنية الأسرة والمجتمع.
وتشير إلى احتمال زيادة هشاشة الأسر مع تصاعد الاعتماد على تعدد المعيلين، وخروج النساء والأطفال إلى سوق العمل، إلى جانب تأخر سن الزواج وتراجع معدلات الإنجاب، وما قد يرافق ذلك من ضغوط اجتماعية إضافية.
وبينما تحاول الأسر السورية التكيف مع ارتفاع تكاليف المعيشة من خلال خفض النفقات والبحث عن مصادر دخل إضافية والاعتماد على المساعدات والحوالات، أصبحت إدارة المصروف اليومي بالنسبة إلى كثير منها عملية مستمرة من الحساب وإعادة ترتيب الأولويات.
وفي ظل استمرار الفجوة بين الرواتب والأسعار في سوريا، لم يعد التقشف مجرد إجراء مؤقت بالنسبة إلى كثير من الأسر، بل تحول إلى نمط حياة يحدد ما يمكن شراؤه، وما يمكن تأجيله، وما أصبح من الصعب تحمله.
اقرأ أيضاً:أسعار المحروقات في سوريا تقفز لمستويات غير مسبوقة.. أكبر زيادة تضرب البنزين والمازوت
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز