بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، شهد المشهد الأمني السوري تحولات لافتة تمثلت في إعادة تشكل الخريطة المسلحة، حيث اتجهت غالبية الفصائل إلى الاندماج ضمن الجيش السوري الجديد أو القبول بترتيبات تضعها تحت إشراف الدولة. إلا أن هذه المرحلة الانتقالية أفرزت في الوقت نفسه مجموعات صغيرة اختارت مسارًا مغايرًا، من بينها فصيل يُعرف باسم «سرايا أنصار السنة»، الذي برز بوصفه تمردًا جهاديًا سلفيًا محدود الحجم، لكنه ذو أثر رمزي وأمني ملحوظ.
ينشط الفصيل بشكل رئيسي في المناطق الريفية المهمشة شمالي سوريا، وهي مناطق تتسم بضعف البنية المؤسسية ووجود فراغات أمنية جزئية، ما وفر بيئة مناسبة لتحركه. وعلى الرغم من قلة عدد مقاتليه مقارنة بتنظيمات جهادية كبرى، فإن حضوره الإعلامي وقدرته على الجمع بين العنف منخفض الشدة والحملات الدعائية الموجهة جعلاه محل اهتمام المتابعين والجهات الأمنية.
النشأة والانتشار الجغرافي
ظهر فصيل سرايا أنصار السنة بشكل علني في ربيع عام 2025، مقدّمًا نفسه كجماعة تكفيرية تتبنى خطابًا جهاديًا سلفيًا متشددًا. وتركز نشاطه، بحسب تقارير إعلامية وأمنية، في محافظات إدلب وحماة وحلب وحمص، إضافة إلى اللاذقية وطرطوس، مع تسجيل حالات ظهور متفرقة في ريف دمشق.
ويُعد الفصيل ذا طابع محلي شبه خالص، إذ يعتمد في تحركاته على بيئات محددة تتوافر فيها شبكات تعاطف أو حاضنة محدودة. ولا يمتلك بنية عسكرية تقليدية واسعة، بل يعمل عبر خلايا صغيرة شبه مستقلة، ما يمنحه مرونة في الحركة وصعوبة نسبية في التتبع.
القيادة والبنية التنظيمية
يتزعم الفصيل شخص يُعرف باسم أبو عائشة الشامي، الذي جرى الإعلان عنه قائدًا لسرايا أنصار السنة عبر القنوات الإعلامية التابعة للجماعة. ويتولى أبو عائشة توجيه الخلايا من الناحيتين الأيديولوجية والعملياتية، فيما تبرز أسماء أخرى في بيانات الجماعة، من بينها أبو الفتح الشامي، الذي يوصف بالمستشار الديني، وأبو سفيان الدمشقي الذي يؤدي دور المنسق المحلي.
ويتسم الهيكل التنظيمي للجماعة بالسيولة واللامركزية، إذ تعتمد على خلايا صغيرة تنفذ العمليات بشكل منفصل نسبيًا، مع تواصل محدود يتم غالبًا عبر وسائل رقمية، أبرزها تطبيق “تيليغرام”. وتقدّر أعداد مقاتلي الفصيل ببضع مئات، معظمهم من عناصر جهادية محلية، بينهم منشقون سابقون عن هيئة تحرير الشام أو جماعات لم تنخرط في مسارات التسوية أو الاندماج.
الخطاب والأهداف
يركز خطاب سرايا أنصار السنة على تبرير العنف المسلح بوصفه “واجبًا دينيًا”، ويستهدف في سرديته الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، معتبرًا إياها “منحرفة عن النهج الجهادي” بسبب تحالفاتها الإقليمية والدولية. ويستخدم الفصيل خطابًا تكفيريًا حادًا ضد الأقليات الدينية، ولا سيما العلويين والدروز والمسيحيين، إضافة إلى شخصيات مرتبطة بالنظام السابق أو متهمة بدعمه.
ويرى مراقبون أن تركيز الفصيل على العنف الطائفي والهجمات الرمزية يشكل خطرًا يتجاوز قدراته العسكرية المحدودة، إذ يهدد بإثارة توترات مجتمعية وتصعيد نزاعات محلية ذات طابع طائفي.
عمليات بارزة وحضور إعلامي
في آذار/مارس 2025، أعلنت الجماعة مشاركتها في أعمال عنف طائفي استهدفت علويين في محافظة اللاذقية، ودعت إلى تنفيذ هجمات “عقابية” ضد مسؤولين سابقين في النظام السابق كانوا قد أُطلق سراحهم بقرارات من الحكومة المؤقتة.
وتصدر اسم الفصيل المشهد الإعلامي بشكل أوسع في حزيران/يونيو 2025، عقب إعلانه المسؤولية عن التفجير الذي استهدف كنيسة مار إلياس في دمشق، وهو حدث أثار ردود فعل محلية ودولية، وطرح تساؤلات جدية حول التحديات الأمنية في مرحلة ما بعد الأسد.
إلى جانب العمليات الميدانية، يولي الفصيل أهمية كبيرة للنشاط الدعائي، إذ ينشر بيانات وخطبًا دينية ومواد سمعية وبصرية تهدف إلى ترهيب خصومه وبث رسائل أيديولوجية موجهة، مستفيدًا من المنصات الرقمية في توسيع نطاق تأثيره.
علاقة محتملة مع تنظيم الدولة الإسلامية
يثير الخطاب الأيديولوجي لسرايا أنصار السنة، إضافة إلى محتواها الإعلامي، تساؤلات متزايدة حول طبيعة علاقتها بتنظيم “داعش”. فقد أظهرت منشورات عدة عبر قنوات الفصيل على “تيليغرام” إشادة بتنظيم داعش وطرحه المتعلق بتطبيق الشريعة، إلى جانب إعادة نشر مواد إعلامية تعود للتنظيم، مثل خطب ومواد صوتية من “راديو البيان”، ورسوم ومواد معلوماتية سبق نشرها في نشرة “النبأ”.
كما تستخدم قنوات الفصيل أسماء ومراجع إعلامية ارتبطت سابقًا بتنظيم داعش، مثل “مؤسسة العاديات” و”دابق” و”اليقين” و”صحيفة الشام”. ورغم تأكيد الجماعة في بعض بياناتها أنها لا تنسق حاليًا مع تنظيم داعش فإنها لم تستبعد إمكانية التعاون مستقبلًا، ما يعزز فرضية وجود صلات أيديولوجية، وربما تنظيمية، بين بعض قادتها وعناصر تتبنى فكر التنظيم.
التأثير المتوقع والمخاطر المحتملة
يرجّح محللون أن يظل فصيل سرايا أنصار السنة، في المدى القصير، عنصرًا محليًا محدود القدرات العسكرية، لكنه صاحب تأثير رمزي وإعلامي أكبر من حجمه الفعلي. فالجماعة قادرة على تنفيذ عمليات عنف منخفضة الشدة وحملات ترهيب تستهدف الأقليات، لكنها لا تمثل تهديدًا واسع النطاق على مستوى الدولة.
غير أن الخطر الأكبر، وفق هذه التقديرات، يكمن في إمكانية اندماج الفصيل مستقبلاً ضمن أطر جهادية أوسع، أو تحالفه مع تنظيم داعش، وهو سيناريو قد يؤدي إلى تصعيد طائفي وردود فعل عنيفة على المستوى المحلي. وفي حال تحقق ذلك، قد يتحول الفصيل إلى عنصر محفز لصراعات طائفية أوسع على المدى المتوسط والبعيد، بما يضيف تحديًا جديدًا أمام جهود الاستقرار وإعادة بناء الدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب.
اقرأ أيضاً:ثغرات أمنية في سجون داعش: فرار العشرات ونقل قيادات الصف الأول إلى العراق