خسائر زراعية في طرطوس جراء العاصفة المطرية
تسببت العاصفة المطرية التي ضربت الساحل السوري خلال الأيام الماضية بأضرار واسعة في القطاع الزراعي، ولا سيما في محافظة طرطوس، حيث أدّت الأمطار الغزيرة والرياح الشديدة والتنين البحري إلى غمر مساحات زراعية كبيرة وتلف محاصيل أساسية، ما وضع المزارعين أمام تحديات معيشية واقتصادية جديدة.
وبينما تواصل الجهات الرسمية عمليات حصر الأضرار وتقدير الخسائر، تتصاعد مطالبات المزارعين بتدخل حكومي عاجل وتعويضات تتيح لهم الاستمرار في العمل الزراعي، خاصة مع التحذيرات من منخفض جوي قطبي قد يزيد من حجم الأضرار خلال الأيام المقبلة.
أضرار متفاوتة وخسائر كبيرة
قال مدير زراعة طرطوس، محمد عدنان أحمد، إن العاصفة المطرية الأخيرة تسببت بخسائر مادية كبيرة في مناطق طرطوس وبانياس، نتيجة غمر المحاصيل بالمياه وتعرضها لأضرار مباشرة بفعل الرياح الشديدة والتنين البحري.
وأوضح أحمد أن حجم الأضرار في الزراعات المحمية والمكشوفة تراوح بين الخفيفة والمتوسطة والشديدة، مشيرًا إلى أن اللجان المكانية المختصة لا تزال تتابع أعمالها لتقدير حجم الضرر الفعلي وتنظيم الجداول الاسمية للمزارعين المستحقين للتعويض، وفق الأنظمة والقوانين الناظمة لعمل صندوق الجفاف والكوارث الطبيعية.
فيضانات مفاجئة في الريف
بحسب مراسل الموقع في طرطوس، أدّت الهطولات المطرية الغزيرة في ريف المحافظة إلى ارتفاع منسوب المياه في الأنهار والأودية، ما تسبب بفيضانات مفاجئة ألحقت خسائر كبيرة بالمحاصيل الزراعية.
وتركّزت الأضرار بشكل خاص في سهل عكار، الذي يُعد من أكثر المناطق تضررًا، إثر فيضان النهر الكبير الجنوبي وغمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في قرى الحسنة، وخربة الأكراد، وتل سنون، وتل عدس، وكرتو، والخرابة.
ونقل المراسل عن مزارعين في طرطوس وبانياس مناشداتهم للجهات الحكومية بضرورة التدخل السريع وتقديم الدعم اللازم للتخفيف من حجم الخسائر، مؤكدين أن استمرارهم في الزراعة بات مرهونًا بحصولهم على تعويضات بعد تعرض محاصيلهم للتلف شبه الكامل، وانجراف التربة، وتضرر شبكات الري.
أرقام أولية للأضرار
وفي 15 كانون الثاني الحالي، أعلنت مديرية زراعة طرطوس أن لجانها أحصت تضرر نحو 6200 دونم من المزروعات، شملت محاصيل القمح والبطاطا والكوسا والبقدونس والفول.
كما سجلت الأضرار غمر 1150 بيتًا محميًا بالمياه، على مساحة تقدر بـ48 دونمًا، كانت مزروعة بمحاصيل البندورة والباذنجان والفليفلة والفريز، ما زاد من حجم الخسائر التي تكبدها المزارعون.
شروط التعويض وآليته
أوضحت رئيسة دائرة صندوق الجفاف والكوارث الطبيعية في طرطوس، نسرين رحال، أن استحقاق التعويض مشروط بأن تكون الأضرار ذات طابع كارثي، أي ناتجة عن حادثة طبيعية لا يمكن منعها أو تفاديها، وأن يتجاوز نطاق تأثيرها 5% من إجمالي المساحة المزروعة أو من المساحة المزروعة بالمحصول المتضرر في الوحدة الإدارية أو القرية أو المزرعة المعتمدة.
وبيّنت رحال أن التعويض يقتصر على الإنتاج الزراعي المفقود فقط، ولا يشمل أصول الإنتاج، مثل الحديد والنايلون في البيوت المحمية، مؤكدة أن الصندوق لا يعوض عن الحرائق باعتبارها أضرارًا غير طبيعية.
وأضافت أن على المزارع المتضرر امتلاك تنظيم زراعي أو كشف حسي سابق لتاريخ حدوث الضرر، إلى جانب تقديم ملف مصوّر يتضمن صورًا أو مقاطع فيديو توثق حجم الأضرار.
تغييرات في عمل الصندوق
كشفت رحال عن دمج صندوق الجفاف والكوارث الطبيعية ضمن مديرية الدعم الزراعي، موضحة أن العمل جارٍ على إعداد آلية جديدة تتناسب مع التغييرات الإدارية، مع الحفاظ على الهدف الأساسي المتمثل في مساعدة الفلاحين على الاستمرار في العمل الزراعي والتخفيف من أعباء الكوارث الطبيعية.
تحديات مزمنة للمزارعين
يعاني مزارعو البيوت المحمية في الساحل السوري من مشكلات متراكمة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج من بذور وأسمدة ونايلون، إضافة إلى تكرار تضرر المحاصيل بفعل الصقيع والعواصف، وصعوبة تأمين الكهرباء اللازمة للتدفئة والري.
كما يشكو المزارعون من ضعف الدعم الحكومي وعدم كفاية التعويضات، إلى جانب المنافسة مع المنتجات المستوردة التي أدت إلى انخفاض الأسعار وتراجع الجدوى الاقتصادية.
وتشهد مناطق في ريف بانياس وقرى حريصون والقلوع والخراب ويحمور وسهل عكار عواصف بحرية وهوائية متكررة سنويًا، نظرًا لطبيعتها السهلية المكشوفة على البحر، وسط مطالبات قديمة بإنشاء مصدات هوائية كزراعة أشجار السرو والصنوبر، باعتبارها من الحلول الأقل تكلفة للحد من الأضرار.
منخفض قطبي يزيد المخاوف
تزامنًا مع هذه الأضرار، حذّرت دائرة الإنذار المبكر والتأهب في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث من تأثر سوريا بمنخفض جوي قطبي بارد ورطب اعتبارًا من صباح الخميس 22 كانون الثاني حتى مساء الجمعة 23 منه.
وقال اختصاصي التأهب في الدائرة، مازن قره بيلو، إن الأجواء ستبقى صقيعية، مع توقع هطولات ثلجية تراكمية تتجاوز 15 سنتيمترًا في منطقة جسر الشغور وريفها الغربي، إضافة إلى مرتفعات عفرين ومرتفعات الساحل التي يزيد ارتفاعها على 800 متر.
وأضاف أن مناطق ريف إدلب الغربي والشمالي، ومرتفعات جبل الزاوية، وسهل الغاب، وريف حماة الغربي، إلى جانب محافظتي حلب والرقة ومناطق شمال الحسكة وأقصى شمال دير الزور، ستشهد هطولات ثلجية تراكمية تتراوح بين 5 و15 سنتيمترًا.
كما توقع أن تشهد مناطق أخرى، بينها جنوب حلب، وأجزاء من إدلب والرقة ودير الزور، وجنوب حماة وشمال وغرب حمص، إضافة إلى مرتفعات القلمون ومرتفعات الساحل التي يتراوح ارتفاعها بين 450 و600 متر، تساقطًا للثلوج مع تراكمات خفيفة دون خمسة سنتيمترات.
قطاع ينتظر الدعم
في ظل هذه التطورات، يبقى القطاع الزراعي في طرطوس أمام اختبار صعب، مع استمرار تأثير العوامل المناخية القاسية، وتأخر الحلول الداعمة، ما يجعل تدخل الجهات المعنية وتعويض المتضررين عاملًا حاسمًا في الحفاظ على استقرار سبل عيش آلاف العائلات المرتبطة بالزراعة.