الليرة السورية خلال 2025: عام من التقلبات الحادة بين الصدمات والضغوط

مع انتهاء عام 2025، بقيت الليرة السورية في صدارة المؤشرات التي تعكس حجم التعقيد وعدم اليقين في المشهدين الاقتصادي والنقدي في البلاد. فخلال عام اتسم بتحولات سياسية وأمنية غير مسبوقة، لم يكن سعر الصرف مجرد رقم يومي متغير، بل تحوّل إلى مرآة لحالة هشاشة بنيوية، وارتباك في أدوات السياسة النقدية، وتأثر شديد بالإشارات السياسية والنفسية، وفق تحليل صادر عن شركة “كرم شعار للاستشارات”.

ويستند هذا التحليل إلى مراجعة كمية شملت 380 ملاحظة يومية لسعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي، تغطي الفترة من انطلاق العملية العسكرية ضد نظام بشار الأسد في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وحتى منتصف كانون الأول/ديسمبر 2025، اعتمادًا على بيانات تتبع مباشرة جمعتها الشركة.

مسار متقلب لا يخضع لمنطق خطي
تشير البيانات إلى أن حركة الليرة لم تتبع مسارًا خطيًا صعودًا أو هبوطًا، بل اتسمت بموجات متتالية من الارتفاع والانخفاض، تحكمت بها صدمات نفسية قصيرة الأجل، تداخلت مع عوامل اقتصادية أعمق وأكثر رسوخًا.

ففي الأسابيع الأخيرة من عام 2024، تلقت الليرة ضربة قوية عقب التطورات العسكرية والسياسية التي انتهت بسقوط نظام الأسد. وبعد فترة من الاستقرار النسبي خلال النصف الثاني من العام عند حدود 14,750 ليرة للدولار، انهارت العملة بشكل سريع لتقترب من مستوى 25 ألف ليرة للدولار عشية سقوط النظام، في ظل حالة هلع واسعة وفقدان حاد للثقة.

طمأنة الأسواق واحتواء الصدمة الأولى
في 9 كانون الأول/ديسمبر 2024، أي بعد يوم واحد من الانهيار السياسي، بادرت السلطات الجديدة إلى إرسال رسائل طمأنة للأسواق، معلنة حماية الودائع المصرفية، ورافعـة القيود المشددة التي فُرضت لسنوات على تداول العملات الأجنبية. كما تم تسهيل حركة التجارة الداخلية عبر إزالة الحواجز بين الشمال الغربي والمناطق التي كانت خاضعة لسيطرة النظام السابق.

ومع تراجع حدة الصدمة السياسية بنهاية العام، بدأت الليرة تستعيد جزءًا من خسائرها، ليدخل سعر الصرف عام 2025 على مسار تحسن نسبي.

تحسن مبكر يصطدم بواقع اقتصادي معقد
مع مطلع عام 2025، واصلت الليرة ارتفاعها مدفوعة بعدة عوامل، من بينها تقنين التعاملات المقومة بالدولار، وتحسن نسبي في الوضع الأمني، وعودة تدريجية للاجئين والمغتربين، ما ساهم في زيادة عرض العملات الأجنبية.

غير أن هذا التحسن اصطدم سريعًا بواقع اقتصادي أكثر تعقيدًا، تمثل بارتفاع كبير في حجم الواردات نتيجة الطلب المتراكم بعد تخفيف قيود تمويل الاستيراد، إضافة إلى نقص حاد في السيولة النقدية بالليرة السورية.

ويعزو تقرير “كرم شعار” هذا النقص إلى صعوبة بسط السلطات النقدية الجديدة سيطرتها الكاملة على شركات الحوالات، التي بقيت لفترة مرتبطة ببنية النظام السابق. ونتيجة لذلك، شهد السوق السوداء تحركات غير متوقعة، حيث انخفض سعر الدولار إلى نحو 10 آلاف ليرة بحلول نهاية كانون الثاني/يناير 2025، في تطور بدا متناقضًا مع المؤشرات الاقتصادية التقليدية.

إجراءات نقدية صارمة وارتفاع مؤقت
في شباط/فبراير، تدخل المصرف المركزي بإجراءات وُصفت بالقاسية لمعالجة أزمة السيولة، شملت فرض قيود مشددة على سحب النقد، وتعليق صرف رواتب موظفي القطاع العام لأكثر من شهرين. ورغم الكلفة الاجتماعية العالية لهذه الخطوات، فقد أسهمت في دفع الليرة إلى مزيد من التحسن، حيث سجل سعر الصرف في السوق السوداء نحو 8,658 ليرة للدولار.

لاحقًا، ومع استعادة السلطات سيطرتها على جزء مهم من سوق الحوالات، عبر إعادة تفعيل بعض الكيانات وتعليق أخرى، بدأت الضغوط بالعودة على العملة. إذ ظل الطلب على الدولار لتمويل الواردات أعلى من الزيادة في العرض الناتجة عن تحويلات العائدين من الخارج، ما أدى إلى تراجع تدريجي في قيمة الليرة، لتستقر عند حدود 12 ألف ليرة للدولار بحلول أيار/مايو.

السياسة كمحرّك قصير الأجل للسوق
يلفت التقرير إلى الدور الحاسم الذي لعبته الإعلانات السياسية في تحريك سعر الصرف على المدى القصير. فقد أدى إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه رفع العقوبات عن سوريا إلى موجة تفاؤل واسعة، انعكست بارتفاع قيمة الليرة بأكثر من 20 بالمئة خلال يومين فقط، قبل أن يتلاشى هذا الأثر سريعًا، ويعود السعر في 19 أيار إلى نحو 10 آلاف ليرة للدولار.

وتكرر هذا النمط في 11 كانون الأول/ديسمبر 2025، عقب الإعلان عن إلغاء قانون قيصر، حيث ارتفعت الليرة بنحو 6.5 بالمئة في يوم واحد، ثم تراجعت مجددًا خلال اليومين التاليين.

أرقام تميل لصالح الهبوط
على امتداد فترة الرصد، سجلت الليرة 219 يومًا من الانخفاض مقابل 142 يومًا من الارتفاع، ما يشير إلى أن فترات التحسن كانت أقل عددًا لكنها أكثر حدة وسرعة، وغالبًا ما ارتبطت بعوامل نفسية وسياسية، لا بأسس اقتصادية مستدامة.

وعلى المدى المتوسط، تشير المؤشرات الأساسية إلى استمرار الضغوط الهبوطية، في ظل القيود المشددة على المعروض النقدي في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على التعاملات النقدية، إلى جانب اتساع العجز التجاري وارتفاع الطلب على الدولار.

كما أسهم قرار رفع رواتب ومعاشات العاملين في القطاع العام بنسبة 200 بالمئة اعتبارًا من 22 حزيران/يونيو في ضخ نحو 19.2 تريليون ليرة في الاقتصاد، أي ما يقارب نصف الكتلة النقدية المتداولة، ما أعاد إشعال الضغوط التضخمية ودفع الليرة إلى مسار هبوطي بطيء لكنه مستمر منذ تموز/يوليو.

آفاق ضبابية وأدوات محدودة
في المحصلة، تبقى آفاق الليرة السورية محاطة بدرجة عالية من عدم اليقين، في ظل غياب احتياطيات كافية من العملات الأجنبية، وافتقار السلطات النقدية لأدوات فعالة مثل التحكم بأسعار الفائدة أو تنفيذ عمليات سوق مفتوحة.

وفي هذا السياق، يرجّح التقرير أن تظل حركة سعر الصرف مرتبطة بالسيولة الفعلية في السوق أكثر من ارتباطها بالأهداف المعلنة للمصرف المركزي، سواء في إطار التعويم المدار أو غيره. ومع استمرار العجز التجاري وتأخر تعافي القاعدة الإنتاجية، يُتوقع أن يبقى الضغط الهادئ على الليرة قائمًا، مع استمرار دور العوامل النفسية والإشارات السياسية في تغذية تقلباتها قصيرة الأجل خلال المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضاً:عمل المرأة في سوريا بين الضرورة والواقع الاقتصادي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.