خلف وعود المليارات.. حقائق تقنية تشكك في جدوى النفط السوري كمنقذ اقتصادي
يبرز قطاع النفط كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل في الخطاب الاقتصادي السوري المعاصر، حيث تتقاطع الوعود الحكومية بالرفاه المالي مع تحذيرات خبراء الطاقة من واقع الحقول المنهكة.
هذا التباين يضع تساؤلات كبرى حول مدى واقعية الاتكال على الثروات الباطنية كمحرك وحيد لمرحلة التعافي الاقتصادي المنشودة.
تفاؤل حكومي بعوائد مليارية
في تصريحات نقلتها صحيفة الثورة الحكومية، رسم رئيس هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، ملامح مستقبلية طموحة لقطاع الطاقة، مقدراً الدخل المتوقع من الحقول النفطية بعد استعادتها بما لا يقل عن 20 مليار دولار سنوياً. واعتبر الهلالي أن هذا الرقم الضخم يمثل حجر الزاوية للانتقال بالبلاد إلى مرحلة تطويرية نوعية، حيث ستوجه هذه السيولة لإعادة إعمار البنية التحتية وتحفيز قطاعات الزراعة والإسكان والسياحة، بما يسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية مجدداً.
الواقع التاريخي ومعضلة الاستهلاك المحلي
على الطرف الآخر، يطرح الخبير الاقتصادي محمد صالح الفتيح، في تحليل نشره موقع سناك سوري، رؤية مغايرة تستند إلى معطيات ما قبل عام 2011.
ويوضح الفتيح أن قطاع النفط السوري كان يعاني من اختلالات بنيوية مزمنة، حيث كان الإنتاج الذي وصل لنحو 380 ألف برميل يومياً يُستهلك بنسبة تتجاوز 80% محلياً.
كما أن طبيعة الخام السوري حالت دون تحقيق اكتفاء ذاتي من المشتقات، مما جعل الدولة في حالة استيراد دائم للمازوت حتى في سنوات ذروة الإنتاج، وهو ما يقلص من قيمة النفط كمورد مالي صافٍ للخزينة.
التحديات التقنية وشبح نضوب الحقول
وفيما يخص الحالة الفنية للمنشآت، يشير الفتيح إلى أن الحرب أدت لتضرر 90% من الحقول، لكن المشكلة الأعمق تكمن في “شيخوخة” هذه الحقول جيولوجياً.
فقبل اندلاع الأزمة، كانت الدراسات تتوقع تحول سوريا إلى بلد مستورد للنفط بحلول عام 2015 مع اقتراب النضوب الكامل في 2020.
ومع تراجع ضغط الغاز الطبيعي في المكامن، بات الاستخراج يتطلب تقنيات ثانوية باهظة الكلفة كضخ المياه، مما يرفع كلفة الإنتاج ويجعل الجدوى الاقتصادية للعديد من الحقول، ومنها حقل العمر، محل شك كبير في الوقت الراهن.
فجوة التوقعات ومخاطر الرهان
تظهر المقارنة بين تصريحات الهلالي لصحيفة الثورة وتحليلات الفتيح فجوة واسعة في تقدير قيمة الثروة النفطية؛ فبينما يتم التعامل مع النفط رسمياً كمنقذ مالي، يحذر الخبراء من بناء سياسات على توقعات لا تأخذ بالحسبان الواقع التقني المتردي وتكاليف الاستخراج المرتفعة.
إن هذا التناقض يشير إلى ضرورة تنويع مصادر الدخل الوطني بدلاً من الركون لقطاع قد لا تتوفر فيه مقومات الاستدامة اللازمة لتمويل عملية إعادة الإعمار الشاملة.
اقرأ أيضاً:استعادة النفط والسدود إلى إشراف الدولة: ما فرص الاكتفاء الذاتي للطاقة في سوريا؟
اقرأ أيضاً:استعادة الحقول النفطية الكبرى شرق سوريا: دلالات اقتصادية وحدود التأثير على الإيرادات