المحروقات في سوريا.. من يراقب الأسعار ويحدد أولويات الدعم؟
لم تعد تداعيات أزمة المحروقات في سوريا مرتبطة بسعر ليتر البنزين أو المازوت فقط، بعدما امتدت إلى كلفة النقل والغذاء والزراعة والصناعة والخدمات، بالتزامن مع أسئلة حول آليات التسعير، والجهات التي تراقب انعكاساته، وكيفية توجيه الدعم والمساعدات، ومن يتحمل مسؤولية النتائج.
وفي 13 أيلول 2026، رفعت وزارة الطاقة مؤقتاً سعر المازوت من 125 إلى 175 ليرة، وبنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة، وبنزين 90 من 147 إلى 185 ليرة، مبررة القرار بارتفاع تكاليف الاستيراد وخروج مصفاة بانياس إلى العمرة. وقال وزير الطاقة محمد البشير إن أزمة مضيق هرمز دفعت الشركة السورية للبترول إلى بيع المشتقات بأقل من كلفتها، ما استدعى تعديل الأسعار لتغطية الخسائر.
لكن أثر القرار، وفق خبراء اقتصاديين، لا يتوقف عند محطات الوقود، إذ تنتقل زيادة كلفة الطاقة إلى قطاعات تعتمد عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من النقل والإنتاج إلى الزراعة والخدمات.
زيادة المحروقات تنتقل إلى النقل والإنتاج
يرى الخبير الاقتصادي محمود الحسن أن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية ينعكس على أجور النقل العام وسيارات الأجرة، كما يزيد كلفة نقل الخضار والمواد الغذائية وتشغيل المولدات، إضافة إلى مصاريف الري والحصاد والنقل الزراعي.
ويشمل الأثر أيضاً قطاع الخبز والصناعات الغذائية والورش والمنشآت الصغيرة، التي قد تجد نفسها أمام خيارات صعبة مع ارتفاع فاتورة الطاقة، بينها تقليص ساعات العمل أو رفع أسعار المنتجات أو وقف النشاط.
ويقول الحسن إن التأثير يظهر بصورة أسرع لدى الأسر ذات الدخل المحدود، إذ يمكن لارتفاع أجرة التنقل إلى العمل أو كلفة نقل السلع وتشغيل مولدات الأحياء أن ينعكس مباشرة على ميزانية الأسرة.
كما يربط بين ارتفاع أسعار المشتقات وزيادة كلفة المواد الغذائية، نتيجة ارتفاع مصاريف نقلها وتشغيل مولدات التبريد والري، إلى جانب زيادة تكاليف الإنتاج المحلي، وهو ما يضع أصحاب الورش والمصانع أمام ضغوط إضافية لتحديد أسعار منتجاتهم أو الاستمرار في العمل.
السعر الرسمي لا يعكس دائماً ما يدفعه المستهلك
المشكلة، بحسب الأكاديمي خالد جعفر، لا تتعلق فقط بالسعر الذي تعلنه الحكومة، وإنما بالكلفة النهائية التي تصل إلى المستهلك.
ويوضح جعفر لموقع”963+” أن السعر الفعلي يتأثر بعدة عناصر، بينها سعر المادة النفطية، وتكاليف النقل والتشغيل، وهوامش الربح، وسعر الصرف، ومدى توافر المادة.
وقد يتسع الفارق بين السعر الرسمي والسعر الذي يدفعه المواطن، وفق جعفر، بسبب الازدحام أو اللجوء إلى السوق الموازية أو أجور النقل الإضافية أو شراء المشتقات من مصادر غير رسمية.
وبذلك، لا يصبح السؤال متعلقاً فقط بكيفية تحديد سعر المحروقات، وإنما بما إذا كانت الجهات الحكومية تتابع أثر التسعيرة الجديدة على أسعار السلع والخدمات، أم تكتفي بإصدار السعر الرسمي.
ويرى جعفر أن توفير الوقود في السوق لا يعني بالضرورة أن السكان قادرون على تحمّل كلفته، فنجاح الخدمة العامة لا يقاس بتوافر المادة وحده، بل بقدرة الناس على الحصول عليها من دون خسارة إضافية في قدرتهم الشرائية.
ويشير إلى أن المؤسسة قد تنجح في تأمين المازوت، لكنها في المقابل قد تواجه صعوبة في منع ارتفاع أجور النقل أو ضمان وصول الخبز، أو الحد من انتقال أثر الأسعار إلى قطاعات الزراعة والصحة والتعليم.
المساعدات والمشاريع أمام ارتفاع كلفة التشغيل
ولا تقتصر معالجة تداعيات الأزمة على تأمين المحروقات، إذ تتقاطع معها برامج الحماية الاجتماعية والمساعدات الإنسانية ومشاريع دعم الإنتاج والخدمات الأساسية.
ويشير الباحث الاقتصادي نور الدين الفياض إلى أن المؤسسات الحيوية تواجه ضغوطاً مالية كبيرة، لافتاً إلى أن مستحقات الشركة السورية للبترول على الشركة السورية للكهرباء خلال عام 2026 بلغت نحو 1.7 مليار دولار، في مؤشر، بحسبه، على اختلالات في دورة التمويل بين المؤسسات الحكومية.
وفي ملف الحماية الاجتماعية، يلفت الفياض إلى برنامج أطلقته وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالتعاون مع اليونيسف، ويقدم مساعدات نقدية وخدمات أساسية للأسر الهشة في 11 محافظة، إلى جانب موافقة الحكومة على تمويل من البنك الدولي بقيمة 225 مليون دولار لمشروعات في قطاعي المياه والصحة.
إلا أن هذه البرامج، وفق الفياض، لا تزال أقل من حجم الاحتياجات، في وقت خفّض فيه برنامج الأغذية العالمي مساعداته الغذائية الطارئة في سوريا بنسبة 50%، وعلّق برنامجه لدعم الخبز على مستوى البلاد بسبب نقص التمويل.
وانخفض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية، بحسب المعطيات التي يستند إليها الفياض، من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً خلال أيار 2026.
وتنعكس أزمة الوقود أيضاً على الخدمات الأساسية، إذ يؤدي نقص المحروقات اللازمة لتشغيل محطات توليد الكهرباء إلى زيادة الاعتماد على المولدات الخاصة مرتفعة الكلفة، فيما تتأثر خدمات المياه والصحة بأي نقص في الكهرباء أو الوقود، إضافة إلى خدمات البلديات، بما فيها جمع النفايات وأعمال الصيانة.
مشاريع الإنتاج لا تحسم مشكلة الطاقة
وترى خبيرة الحوكمة سلافة عبود أن زيادة الإنتاج المحلي أو تنفيذ مشاريع التعافي لا تضمن وحدها حماية السكان من آثار ارتفاع كلفة الطاقة.
وتوضح أن المشروع الزراعي، على سبيل المثال، قد يوفر البذار والأدوات للمزارع، لكن استمرار الإنتاج يبقى مرتبطاً بكلفة المازوت المستخدم في الري والحصاد والنقل. وينطبق الأمر نفسه على المساعدات الغذائية، التي قد ترتفع كلفة نقلها أو تخزينها أو تجهيزها.
كما يمكن لبرنامج للتمكين الاقتصادي أن يساعد في إنشاء ورشة صغيرة، لكن ارتفاع كلفة الكهرباء والوقود والنقل قد يستنزف هامش ربحها ويدفعها إلى التوقف.
وبهذا المعنى، تعتبر عبود أن المساعدات والمشاريع يمكن أن تخفف جزءاً من الأعباء، لكنها لا تعالج وحدها مشكلة الطاقة والأسعار.
من يحدد الأولويات ومن يراقب السوق؟
مع محدودية الموارد، ترى عبود أن الأولوية ينبغي أن تتركز على القطاعات الأكثر ارتباطاً بالحياة اليومية، وفي مقدمتها الخبز والمشافي والنقل العام، إلى جانب توجيه المساعدات والمشاريع نحو الفئات الأكثر هشاشة عبر تنسيق بين الجهات المعنية.
أما جعفر، فيطرح إجراءات تتعلق بتنويع الاستيراد وتحسين التخزين وصيانة قدرات التكرير، بالتوازي مع تقديم دعم نقدي موجه للفئات الأضعف والقطاعات الأساسية بدلاً من الاعتماد على الدعم العام.
وتوضح عبود أن لجنة تسعير المشتقات تتولى تحديد الأسعار استناداً إلى الكلفة والعوامل المحلية والدولية وسعر الصرف ومستويات الدعم، لكنها ترى أن معايير التسعير تحتاج إلى مزيد من الوضوح، خصوصاً في ما يتعلق بكلفة المادة وآلية احتسابها.
وتدعو إلى ربط الدعم بالدخل والحاجة، ونشر البيانات المتعلقة به، ووضع آليات تتيح للمواطنين التظلم ومراجعة أثر القرارات بعد تطبيقها.
وفي جانب الرقابة على الأسواق، تشير إلى أن جهاز التموين وحماية المستهلك يعتمد على الضبوط والمفتشين الميدانيين، لكن اتساع السوق الموازية وتغير تكاليف الإنتاج والنقل يجعلان ضبط الأسعار بصورة كاملة تحدياً مستمراً.
وترى أن تحديد أسعار استرشادية يمكن أن يساعد في ضبط السوق، مع مراعاة أن التكلفة الفعلية للإنتاج والنقل قد تتجاوز في بعض الحالات السقوف التموينية المحددة.
الشفافية جزء من الرقابة
لا ترى عبود أن الرقابة تقتصر على ضبط المخالفات داخل الأسواق، بل تشمل أيضاً البيانات التي تسمح بتحديد مواضع الخلل في سلسلة تأمين المحروقات وتوزيعها.
وتدعو إلى نشر بيانات دورية حول الكميات الموزعة والكلفة الفعلية للمشتقات النفطية، بما يسمح بتوضيح الجوانب المالية والفنية للرأي العام.
كما تقترح إخضاع إدارة الدعم وتوزيع المشتقات لرقابة الهيئات التفتيشية والمجالس المحلية، بما يتيح متابعة حالات الهدر أو التلاعب في عمليات التوزيع.
ومن جهته، يرى جعفر أن ضبط السوق يتطلب نشر تكاليف الاستيراد والتوزيع، ومراقبة حلقات الوساطة، وإلزامها بفواتير واضحة، إلى جانب الإعلان عن المخالفات والعقوبات.
وتعتبر عبود أن رفع أسعار المحروقات ليس قراراً فنياً منفصلاً عن نتائجه الاجتماعية، ولذلك يجب أن تكون المسؤوليات المرتبطة به واضحة وقابلة للقياس.
كيف يمكن قياس نتيجة رفع الأسعار؟
بالنسبة إلى عبود، فإن تقييم القرار لا يتوقف عند لحظة إعلان التسعيرة الجديدة، بل يبدأ بما يحدث بعدها.
فإذا أدت الزيادة إلى تحسن الإمدادات وانخفاض فترات الانتظار وتحسن حركة النقل وضبط الأسواق، يمكن للحكومة الاستناد إلى هذه النتائج عند تقييم السياسة الجديدة.
أما استمرار نقص المحروقات بالتزامن مع ارتفاع الأسعار واتساع السوق السوداء وزيادة كلفة الغذاء والنقل، فيطرح، بحسبها، أسئلة إضافية حول الجهات المسؤولة عن تنفيذ القرار ومراقبة نتائجه.
وتعتبر أن المساءلة لا ينبغي أن تتوقف عند موظف أو مؤسسة واحدة، وإنما تمتد إلى سلسلة القرار بأكملها، بدءاً من الجهة التي اقترحت التسعيرة، مروراً بالجهة التي درست آثارها الاجتماعية وآلية توزيع المشتقات، وصولاً إلى الجهات المسؤولة عن مراقبة الأسواق والمخزون والصيانة والاستيراد.
كما تشمل، وفق هذا الطرح، المؤسسات التي لم تنشر البيانات اللازمة، والجهات التي حصلت على تمويل لتنفيذ مشاريع يفترض أن تحقق نتائج يمكن قياسها.
ولهذا، تدعو عبود إلى تحديد مؤشرات واضحة قبل تطبيق القرارات، من بينها توافر الوقود، ومتوسط فترات الانتظار، وتغير أجور النقل، وأسعار سلة الغذاء، ونسبة المخالفات المسجلة، وحجم الدعم أو التعويضات التي تصل فعلياً إلى المستحقين.
في المحصلة، تتداخل أزمة المحروقات مع ملفات أوسع تتعلق بالإنتاج والخدمات والدعم والأسعار والقدرة الشرائية. فزيادة الإنتاج تحتاج إلى طاقة مستقرة، والمساعدات تحتاج إلى توجيه فعال، والمشاريع تحتاج إلى قدرة على الاستمرار، بينما يتطلب ضبط الأسعار رقابة على كامل سلسلة التوريد، وتحديداً واضحاً للجهات المسؤولة عن القرار ونتائجه.
اقرأ أيضاً:الليرة السورية تعود إلى التراجع.. فاتورة الاستيراد والمحروقات تزيد الطلب على الدولار