استعادة النفط والسدود إلى إشراف الدولة: ما فرص الاكتفاء الذاتي للطاقة في سوريا؟

مع عودة مساحات واسعة من حقول النفط والسدود الاستراتيجية إلى إشراف الحكومة السورية، عاد ملف الطاقة ليتصدر النقاش العام، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التطورات تمثل نقطة تحول فعلية باتجاه تحقيق اكتفاء ذاتي في الكهرباء والنفط، بعد سنوات طويلة من العجز والاعتماد على الاستيراد. وبين الخطاب الرسمي المتفائل بإمكانية جذب استثمارات أجنبية، والواقع التقني المتضرر للبنية التحتية، تتباين التقديرات حول قدرة هذه الموارد على إحداث تحسن ملموس في المدى القريب.

وخلال مؤتمر صحفي عقد داخل حقل العمر، أعلن رئيس الشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، عن اهتمام متزايد من شركات أميركية بدخول السوق السورية، مشيرًا إلى توقعات بعودة شركة “كونوكو فيليبس” للاستثمار في حقول الغاز، إلى جانب استعداد شركات أخرى مثل “شيفرون” للدخول للمرة الأولى. كما تحدث عن وجود شركات أميركية جديدة أبدت رغبتها بالاستثمار في حقول غاز محافظة الحسكة.

وتزامنًا مع هذه التصريحات، يبرز نقاش واسع حول الطاقة الإنتاجية الفعلية لحقول النفط والغاز، وكذلك للمحطات الكهرومائية المقامة على سدود الفرات، ومدى قدرتها على تغطية احتياجات السوق المحلية من حوامل الطاقة، وتحسين واقع الكهرباء الذي يعاني تقنينًا طويلًا.

خطوة مهمة… لكن الاكتفاء ليس وشيكًا
يرى الباحث الاقتصادي والخبير في شؤون الطاقة الدكتور زياد عربش، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن عودة الحقول والسدود إلى إشراف الحكومة تمثل خطوة أساسية لتعزيز السيادة الاقتصادية، لكنها لا تعني توقفًا فوريًا لاستيراد المشتقات النفطية، ولا تحقيق اكتفاء ذاتي سريع في مجال الطاقة.

ويشير عربش إلى أن إنتاج الغاز الحالي لا يغطي سوى أقل من نصف احتياجات محطات توليد الكهرباء، ما يبقي الاعتماد قائمًا على الاستيراد سواء لأغراض التوليد أو لتشغيل القطاع الصناعي. ووفق تقديراته، تبلغ كلفة استيراد نحو 5 ملايين متر مكعب من الغاز سنويًا قرابة 350 مليون دولار، مع الإشارة إلى أن أسعار الغاز تخضع للتفاوض ولا ترتبط بسعر عالمي ثابت كما هو حال النفط.

وبحسب الأرقام المتداولة، يتراوح الإنتاج الحالي من الغاز الطبيعي في سوريا بين 8 و9 ملايين متر مكعب يوميًا، في حين تحتاج محطات توليد الكهرباء وحدها إلى نحو 16 مليون متر مكعب يوميًا. وتضاف إلى ذلك احتياجات معامل الإسمنت والحديد والأسمدة الآزوتية، التي تقدر بنحو 24 مليون متر مكعب يوميًا، ما يجعل الاستيراد ضرورة قائمة خلال المرحلة المقبلة.

ويؤكد عربش أن الحديث عن العودة إلى مستويات إنتاج عام 2011 لا يزال مبكرًا، نظرًا للحاجة إلى إعادة تأهيل الآبار، وإنشاء معامل جديدة لمعالجة الغاز، وترميم ما دمرته سنوات الحرب من بنى تحتية. كما يشدد على أن استعادة الحقول لا تعني بالضرورة وقف استيراد المشتقات النفطية، في ظل تهالك محطات التكرير وحاجة القطاع إلى استثمارات ضخمة وعقود جديدة مع شركات دولية كانت تعمل في هذه الحقول قبل خروجها بفعل الظروف القاهرة.

الكهرباء والسدود… تحسن مشروط بالتأهيل
فيما يتعلق بواقع الكهرباء، يتوقع عربش تحسنًا نسبيًا في ساعات الوصل بعد إشراف الحكومة على سدي الفرات وتشرين، إلا أن هذا التحسن يبقى مرهونًا بإصلاح الشبكات، وتكامل الإنتاج الكهرومائي مع الغاز المستعاد، وتأمين كميات كافية من الفيول المحلي.

ويشير إلى أن السدود الكبرى في سوريا، وهي الفرات والبعث وتشرين، تواجه تحديات كبيرة، أبرزها الحاجة إلى صيانة وتأهيل العنفات التي لا تعمل بكامل طاقتها. فسد الفرات، الذي يضم ثماني عنفات بقدرة نظرية تبلغ 100 ميغاواط لكل واحدة، لا يتجاوز إنتاجه الحالي 200 ميغاواط، مقارنة بطاقة تصميمية تصل إلى 800 ميغاواط.

ويعزو عربش هذا التراجع إلى عدة عوامل، منها انخفاض الوارد المائي والتغيرات المناخية، وتدهور البنية التحتية والمعدات، وضعف كفاءة شبكات النقل الكهربائي، إضافة إلى الحاجة الملحة لاستثمارات خارجية.

60% من الحقول فقط تحت السيطرة
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب أن استعادة حقول النفط والسدود، رغم أهميتها، لن تؤدي إلى وقف استيراد المشتقات النفطية في المرحلة الحالية. ويشير إلى أن الدولة لم تسترجع سوى نحو 60% من الحقول النفطية، وأن هذه الحقول تحتاج إلى أعمال صيانة وترميم واسعة، بعد تعرضها للتدمير والنهب خلال سنوات سيطرة تنظيم “داعش” ومراحل لاحقة.

ويؤكد ديب أن الحقول النفطية تحتاج إلى نحو عام كامل للدخول في مرحلة الإنتاج، بينما يتطلب الوصول إلى طاقة إنتاجية تقارب 70% عامًا إضافيًا. كما يحذر من آثار الاستنزاف غير المنظم للمخزون النفطي والغازي خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، باستخدام وسائل بدائية وغير قانونية، ما انعكس سلبًا على الاحتياطي الاستراتيجي.

وبناء على هذه المعطيات، يعتبر ديب أن الحديث عن وقف استيراد الغاز أو زيادة كبيرة في ساعات وصل الكهرباء لا يزال سابقًا لأوانه، في ظل ضعف القدرة الإنتاجية للعنفات الكهرومائية وحاجتها إلى تأهيل شامل، وربما استبدال جزء منها بعنفات جديدة.

تنويع مصادر الطاقة ومتطلبات الاستثمار
في المقابل، يشدد ديب على أن عودة السدود إلى إشراف الدولة تفتح الباب أمام تنويع مصادر الطاقة، سواء عبر الطاقة الكهرومائية أو الشمسية أو الريحية، معتبرًا أن هذا التنويع بات ضرورة في المرحلة المقبلة.

كما يلفت إلى احتمال أن تسهم زيادة الوارد المائي من نهر الفرات، في حال تم تنسيق ذلك مع تركيا، في رفع إنتاج الكهرباء وتحفيز القطاع الزراعي. ويرى أن التصريحات الحكومية حول الشراكات مع القطاع الخاص المحلي والشركات الأجنبية تشكل عنصر دعم لإعادة استثمار الثروات الوطنية، شرط أن تنعكس نتائجها بشكل مباشر على حياة المواطنين.

الأمن والحوكمة شرطا النجاح
في سياق متصل، يؤكد ديب أن حماية حقول النفط تشكل أولوية، في ظل مخاطر هجمات محتملة من تنظيم داعش أو مجموعات مسلحة أخرى قد تسعى إلى عرقلة الاستثمار. كما يربط نجاح استثمار الموارد المستعادة بتوفير بيئة متكاملة تشمل بنية تحتية مناسبة، وسياسات اقتصادية وإدارية واضحة، ونظامًا ماليًا مستقرًا، وشفافية في التعامل مع المستثمرين، إلى جانب حوكمة فعالة.

ويضيف أن بناء شراكات اقتصادية دولية، ولا سيما مع الولايات المتحدة، قد يشكل عامل دعم مهم في هذه المرحلة، مشيرًا إلى أن منطقة الجزيرة مرشحة للعب دور محوري كقلب اقتصادي جديد لسوريا، في حال استُكملت هذه التحولات بتشريعات سليمة وإدارة رشيدة للموارد.

اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.