ثروات شمال شرقي سورية: إمكانات اقتصادية وتحديات ثقيلة

لم تقتصر عودة الدولة السورية إلى مساحات واسعة من شمال شرقي البلاد، التي كانت خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) خلال سنوات الحرب، على بعدها العسكري أو الإداري فحسب، بل فتحت مجدداً واحداً من أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد السوري، وهو ملف الموارد الطبيعية. فالمنطقة الممتدة عبر محافظات الحسكة والرقة ودير الزور تُعد تاريخياً قلب الإنتاج السوري، سواء من حيث الطاقة أو الزراعة أو الموارد المائية، وأحد أهم عوامل التوازن المالي والنقدي للدولة.

غير أن استعادة السيطرة الجغرافية لا تعني تلقائياً استعادة الدور الاقتصادي لهذه الموارد. فالسؤال المركزي اليوم لا يدور حول حجم الثروات المتوافرة، بقدر ما يتركز على قدرة الاقتصاد السوري، بعد أكثر من عقد من الحرب والعقوبات، على تحويل هذه السيطرة إلى دورة إنتاج حقيقية في ظل بنية تحتية مدمّرة، وقطاع طاقة منهك، وبيئة استثمارية شديدة التعقيد.

النفط: من ركيزة اقتصادية إلى قطاع مثقل بالأضرار
قبل عام 2011، شكّل النفط أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد السوري ومصدراً رئيسياً لإيرادات الخزينة والقطع الأجنبي. ووفق تقارير لوكالة “رويترز” حول قطاع الطاقة السوري، كانت البلاد تنتج نحو 380 ألف برميل نفط يومياً قبل الحرب، كان يُصدَّر جزء كبير منها إلى الأسواق الأوروبية، ما وفر مورداً مهماً للموازنة العامة وأسهم في دعم استقرار سعر الصرف.

إلا أن سنوات النزاع غيّرت صورة هذا القطاع جذرياً. فقد أدى خروج معظم الحقول الشرقية عن سيطرة الدولة لفترات طويلة، وتعرض منشآت الإنتاج وخطوط النقل للتدمير، وانتشار أساليب الاستخراج البدائي، إلى انهيار منظومة النفط وتحولها من مورد سيادي إلى عبء اقتصادي. وتشير تقارير “رويترز” المنشورة بين أيلول/سبتمبر 2025 وكانون الثاني/يناير 2026 إلى أن الإنتاج الحالي لا يزال بعيداً جداً عن مستويات ما قبل الحرب، رغم استعادة الحكومة السيطرة على عدد من الحقول.

ونقلت الوكالة عن مسؤولين في قطاع الطاقة أن الحقول المستعادة تعمل بطاقة محدودة بسبب التدهور الفني ونقص الاستثمارات وغياب قطع الغيار، ما يجعل الإنتاج غير كافٍ لتلبية الطلب المحلي. ولا يقتصر التراجع على انخفاض الكميات المنتجة، بل يشمل انهياراً شبه كامل لسلسلة القيمة النفطية، من الاستخراج إلى المعالجة والنقل والتكرير.

الحقول الشرقية: فجوة واسعة بين الاحتياطي والإنتاج
تتركز الثروة النفطية الأساسية في محافظتي دير الزور والحسكة. ويبرز حقل العمر مثالاً واضحاً على الفجوة بين ما كان عليه القطاع قبل الحرب وما وصل إليه اليوم. فبحسب تقرير صادر عن “Global Energy Monitor”، كان الحقل ينتج قبل 2011 نحو 80 ألف برميل يومياً، بينما تشير تقديرات حديثة إلى أن إنتاجه يدور حالياً حول 20 ألف برميل يومياً، مع تسجيل فترات انخفض فيها الإنتاج إلى نحو 5 آلاف برميل فقط، وفق ما نقلته “رويترز” مطلع عام 2026.

الوضع ذاته ينطبق على حقل التنك، الذي كان ينتج قرابة 40 ألف برميل يومياً قبل الحرب، قبل أن يتحول إلى حقل منخفض الإنتاج يعتمد على وسائل بدائية. أما حقل كونيكو للغاز، الذي كان ينتج نحو 13 مليون متر مكعب يومياً، فتشير تقارير حديثة إلى أنه خارج الخدمة بالكامل نتيجة الأضرار الواسعة. وتوضح هذه الأرقام أن استعادة السيطرة على الحقول لا تعني تلقائياً استعادة الإنتاج، إذ إن القيمة الاقتصادية للموارد ترتبط بوجود منظومة تشغيل متكاملة تعرض معظمها لأضرار جسيمة خلال النزاع.

الغاز الطبيعي: خيار أكثر واقعية على المدى المتوسط
في مقابل تعقيدات قطاع النفط، يبرز الغاز الطبيعي بوصفه المورد الأكثر قابلية للاستثمار في المدى المتوسط، خاصة لارتباطه المباشر بتوليد الكهرباء. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن سورية تمتلك احتياطيات غاز تقدر بنحو 240 مليار متر مكعب، معظمها غاز مصاحب للنفط. ووفق “رويترز”، تراجع إنتاج الغاز من 8.7 مليارات متر مكعب عام 2011 إلى نحو 3 مليارات متر مكعب في عام 2023، ما ساهم في تفاقم أزمة الكهرباء.

وفي هذا السياق، ذكرت الوكالة أن الشركة السورية للنفط وقعت مذكرة تفاهم مع شركات أميركية، من بينها “ConocoPhillips”، لتطوير حقول الغاز ورفع الإنتاج بنحو 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يومياً خلال عام. ويعكس هذا التوجه أولوية رسمية للغاز باعتباره الوقود الأقل كلفة والأسرع أثراً على النشاط الاقتصادي، إذ ينعكس أي تحسن في إنتاجه مباشرة على تخفيض كلفة الكهرباء وتقليص الاعتماد على الفيول المستورد.

الزراعة والمياه: ثروة مؤثرة في الأمن الغذائي
إلى جانب الطاقة، تكتسب استعادة السيطرة على المنطقة أهمية خاصة في ملف الأمن الغذائي. فقد كانت محافظات الجزيرة تؤمّن قبل الحرب أكثر من نصف إنتاج القمح السوري ونحو ثلاثة أرباع إنتاج القطن، بحسب بيانات رسمية وتقارير اقتصادية. وأدى خروج هذه المناطق عن السيطرة لسنوات إلى تراجع حاد في الإنتاج وارتفاع فاتورة استيراد القمح.

لذلك، يُتوقع أن يظهر الأثر الاقتصادي لاستعادة المنطقة من خلال إعادة تشغيل منظومة الزراعة والري، إضافة إلى الدور الحيوي للسدود الكبرى، ولا سيما الفرات وتشرين، التي كانت تضخ قبل 2011 ما بين 800 وألف ميغاواط من الكهرباء إلى الشبكة العامة. ويعني دمج هذه المنشآت مجدداً تخفيفاً محتملاً لأزمة الكهرباء وتحسيناً في ري آلاف الهكتارات الزراعية.

الفوسفات: مورد تصديري بديل
بعيداً عن مناطق شمال شرقي البلاد، يبقى الفوسفات من أبرز الثروات المعدنية القابلة للتسويق الخارجي. وبحسب وكالة “سانا”، بلغ إنتاج سورية من الفوسفات قبل 2011 نحو 3.5 ملايين طن سنوياً. وتشير تقارير اقتصادية، منها ما نشرته منصة “عنب بلدي” عام 2024، إلى أن الاحتياطي السوري قد يصل إلى ملياري طن، ما يمنحه أهمية خاصة في ظل القيود المفروضة على تصدير النفط. إلا أن ضعف الاستثمارات وتكاليف النقل والعقوبات المصرفية ما زالت تحد من الاستفادة الكاملة من هذا المورد.

اقتصاد أمام اختبار حقيقي
تُظهر خريطة الثروات السورية أن توفر الموارد وحده لا يكفي لإطلاق تعافٍ اقتصادي سريع. فالتحدي الأساسي لم يعد مرتبطاً بمن يسيطر على الحقول أو الأراضي، بل بكيفية إدارتها ضمن اقتصاد يعاني نقص التمويل والتكنولوجيا والحَوكمة والثقة. وعلى المدى القريب، يبدو أن الغاز والكهرباء والزراعة تمثل مفاتيح الاستقرار الأكثر واقعية، فيما يبقى النفط مشروعاً مؤجلاً يتطلب سنوات من إعادة التأهيل.

وقد تتيح استعادة مناطق الجزيرة، على المدى المتوسط، تقليص الاعتماد على الاستيراد وتحقيق درجة من الاكتفاء النفطي، وربما العودة إلى تصدير محدود يوفّر مورداً مالياً ضرورياً للاستقرار وإعادة الإعمار. كما أن استعادة نحو ثلث مساحة سورية من الأراضي الخصبة تعيد البلاد إلى موقعها التقليدي كمنتج رئيسي للقمح، وتفتح الباب أمام تنشيط المعابر والمطارات الحيوية، ما يعزز حركة التجارة والطاقة ويمنح الاقتصاد السوري فرصاً إضافية، إذا ما توفرت شروط الاستثمار والإدارة الفعالة.

اقرأ أيضاً:سيناتور أميركي يحذّر من انتهاكات وقف إطلاق النار في شمال شرق سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.