سندات دولية بالدولار على طاولة المالية السورية.. ما المكاسب والمخاطر؟

تدرس وزارة المالية السورية إصدار سندات في أسواق الدين الدولية، ضمن مساعٍ لتوفير التمويل وبناء الثقة مع المؤسسات المالية والمستثمرين الأجانب، في وقت تواجه فيه المالية العامة عجزاً يقدّر بنحو مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026.

وقال وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، إن الحكومة تجري مباحثات مع مؤسسات مالية ومصارف دولية تمهيداً لطرح خاص محتمل في أسواق الدين الدولية، قد يجري خلال العام المقبل. ونقلت منصة «الشرق بلومبرغ» في 17 تشرين الأول الحالي عن برنية أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في بناء الجدارة الائتمانية لسوريا تدريجياً، مشيراً إلى وجود تفهم لدى عدد من البنوك الدولية، ولا سيما المصارف الأمريكية الكبرى.

ولم يحدد الوزير حجم الإصدار المحتمل أو آجاله، موضحاً أن الأولوية تتمثل في تنفيذ العملية وفق القواعد المعتمدة، والعمل تدريجياً على بناء المصداقية المالية.

ويشير الطرح الخاص إلى بيع السندات لمجموعة محددة من المستثمرين، مثل المصارف وصناديق الاستثمار، بخلاف الطرح العام الذي يتيح الاكتتاب أمام شريحة أوسع.

الاقتراض بالدولار.. تمويل متاح ومخاطر محتملة

يتيح إصدار السندات الخارجية للحكومة الحصول على تمويل بالدولار من مستثمرين دوليين، لكنه يضعها في الوقت نفسه أمام التزامات مالية بعملة أجنبية، ما يجعل كلفة السداد مرتبطة بتطورات سعر الصرف وقدرة الدولة على تأمين الإيرادات الدولارية.

وأوضح الخبير الاقتصادي والمصرفي السوري محمود عبد الكريم، أن السندات الدولية المقومة بالدولار، المعروفة باسم «يوروبوند»، تمثل إحدى أدوات الاقتراض الخارجي، إذ تصدرها الدولة لمستثمرين خارج سوقها المحلية، وقد تخضع لشروط قانونية محددة، مثل القانون الإنجليزي أو قانون ولاية نيويورك.

وبحسب عبد الكريم، تكمن إحدى مزايا هذه السندات في توفير عملة أجنبية مباشرة، فضلاً عن إمكانية الحد من ارتباط التمويل بثقة المستثمرين بالليرة السورية، إذ يجري الاقتراض والسداد بالدولار.

لكن الخبير حذّر من أن هذه الميزة تنطوي على مخاطر مرتبطة بالعملة، خصوصاً إذا كانت إيرادات الدولة بالليرة بينما التزاماتها بالدولار. وفي هذه الحالة، يؤدي تراجع قيمة العملة المحلية إلى زيادة العبء الفعلي للدين وكلفة تسديده.

ولا تتوقف جدوى الاقتراض، وفق عبد الكريم، على سعر الفائدة وحده، بل ترتبط أيضاً بكيفية استخدام الأموال. فاستخدام حصيلة السندات لتغطية الرواتب والنفقات الجارية قد يوفر سيولة مؤقتة، لكنه لا يضمن وجود إيرادات مستقبلية بالعملة الأجنبية تتيح سداد الدين.

واستشهد الخبير بالتجربة اللبنانية، إذ توقفت الدولة عن سداد سندات «يوروبوند» بقيمة 1.2 مليار دولار في آذار 2020، بعد سنوات من الاعتماد على الاقتراض الخارجي لتمويل العجز والإنفاق الجاري.

في المقابل، يرى عبد الكريم أن توجيه الأموال المقترضة إلى مشاريع تدر إيرادات بالدولار أو تسهم في توفيره، مثل المشاريع الإنتاجية والتصديرية، قد يساعد على تغطية الالتزامات المستقبلية ويحد من مخاطر الاقتراض.

ما الخطوات التي يقترحها الخبير قبل إصدار السندات؟

طرح عبد الكريم مساراً تدريجياً يرى أنه يمكن أن يمهد أمام سوريا لدخول أسواق الدين الدولية بشروط أقل كلفة ومخاطر، يبدأ بتعزيز الشفافية المالية، قبل الانتقال إلى إصدار سندات بالدولار.

ويقترح أن تنشر وزارة المالية، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2027، تفاصيل تمويل عجز النصف الأول من عام 2026، بما يشمل الجهات المقرضة، وعملات الاقتراض، والعوائد، ومواعيد الاستحقاق. ويعدّ الإفصاح عن هذه البيانات، وفق رأيه، خطوة أساسية لتقييم الالتزامات القائمة وبناء الثقة لدى المستثمرين.

كما يدعو إلى إدراج المتأخرات المالية المرتبطة بقطاع الكهرباء والطاقة ضمن بيان رسمي للمخاطر المالية الملحق بالموازنة، بما يوضح حجم الالتزامات التي تتحملها الدولة. ويرى أن تحسين التحصيل وتطبيق شرائح دفع تراعي القدرة المالية للمستهلكين يمكن أن يساهما في معالجة جانب من فجوة التمويل في القطاع.

وخلال الفترة الممتدة من الشهر الرابع حتى نهاية عام 2027، يقترح الخبير التوسع التدريجي في أدوات الدين المحلية، عبر إصدار أذون خزينة قصيرة الأجل بالليرة السورية، بعوائد مناسبة ومزادات معلنة ومنتظمة، إلى جانب دراسة إصدار صكوك مرتبطة بالدولار أو مدعومة بأصول محددة، وسندات موجهة إلى السوريين المغتربين تستفيد من قنوات التحويلات المالية القائمة.

ويتضمن المقترح أيضاً طلب إجراء مشاورات مع صندوق النقد الدولي بموجب المادة الرابعة، وهي آلية يقيّم الصندوق من خلالها الأوضاع الاقتصادية والمالية للدول الأعضاء، إلى جانب نشر حسابات قومية خضعت للمراجعة الدولية، ووضع استراتيجية معلنة لمعالجة الديون الخارجية الموروثة، وإنشاء وحدة مستقلة لإدارة الدين العام.

ويرى عبد الكريم أن تنفيذ هذه الخطوات يمكن أن يساعد في تهيئة الظروف اللازمة للحصول على تصنيف ائتماني من إحدى الوكالات الدولية، بما يتيح للمستثمرين تقييم المخاطر المرتبطة بإقراض الحكومة السورية.

إصدار محدود بعد استكمال الإصلاحات

بحسب الخطة التي طرحها الخبير، يمكن للحكومة التفكير في إصدار أول لسندات «يوروبوند» بعد عام 2027، ضمن فترة تمتد من سنة إلى سنتين، على أن يكون الإصدار محدود الحجم وألا تتجاوز قيمته مليار دولار.

ويفضّل عبد الكريم أن يكون الإصدار في صورة صكوك مدعومة بأصول، أو أن يتضمن ضماناً جزئياً من جهة دولية أو خليجية أو مستثمر رئيسي، مع تخصيص حصيلته حصراً لمشاريع قادرة على توليد إيرادات بالدولار أو توفير نفقات بالعملة الأجنبية.

ويشدد الخبير على أن توسيع القاعدة الضريبية وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الأعباء المالية يمثلان شرطاً مهماً قبل التوسع في الاقتراض الخارجي، مع ضرورة تعزيز قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات ومراقبة الإنفاق.

ويعني هذا الطرح، وفق رؤية عبد الكريم، أن نجاح إصدار السندات لا يرتبط بمجرد وجود مستثمرين مستعدين للإقراض، بل بقدرة الحكومة على تقديم بيانات مالية واضحة، ومعالجة الالتزامات السابقة، وتوجيه التمويل إلى أنشطة تساعد على سداد الدين.

عجز مالي بنحو مليار دولار خلال النصف الأول من 2026

يأتي بحث إصدار السندات الخارجية في ظل تسجيل المالية العامة السورية عجزاً يقدّر بنحو مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026.

وبحسب بيانات رسمية نشرها وزير المالية محمد يسر برنية على حسابه في منصة «لينكد إن»، بلغت الإيرادات العامة نحو 2.7 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام، مقابل إنفاق وصل إلى 3.7 مليار دولار.

وتشير الأرقام الواردة في التقرير إلى أن الرواتب والأجور والتعويضات شكّلت الجزء الأكبر من الإنفاق، بقيمة بلغت 1.34 مليار دولار، أي ما يعادل 36.1% من إجمالي المدفوعات.

وتسلط هذه الأرقام الضوء على التحدي الذي تواجهه الحكومة في تمويل النفقات العامة، بالتوازي مع الحاجة إلى زيادة الإنفاق الاستثماري ودعم التعافي الاقتصادي.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى أثر إصدار السندات الخارجية مرتبطاً بحجم التمويل وشروطه، وكلفة الفائدة، والضمانات المقدمة، والجهات التي ستشتري السندات، إضافة إلى طبيعة المشاريع التي ستُستخدم حصيلة الإصدار في تمويلها.

ومن دون شفافية كافية بشأن الدين العام، وخطة واضحة لتوفير العملة الأجنبية اللازمة للسداد، قد يتحول الاقتراض الخارجي من وسيلة لتخفيف الضغوط المالية إلى التزام إضافي يزيد الأعباء على الموازنة مستقبلاً.

اقرأ أيضاً:تحرك تشريعي جديد في الكونغرس الأميركي: “آلية العودة التلقائية للعقوبات” تعقّد مسار تخفيف الضغط عن سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.