عمل المرأة في سوريا بين الضرورة والواقع الاقتصادي

في سوريا، لم يعد حضور المرأة في سوق العمل مسألة مرتبطة بخيارات فردية أو شعارات تمكين، بل أصبح انعكاساً مباشراً لتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة فرضتها سنوات الحرب الطويلة. فمع غياب ملايين الرجال بسبب الهجرة أو القتال أو البطالة، ومع تآكل الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، وجدت أعداد متزايدة من النساء أنفسهن في موقع المعيل الأساسي أو الوحيد للأسرة، ضمن اقتصاد يعاني من الهشاشة وغياب الحماية.

هذا التحول، الذي بات ملموساً في المدن والأرياف على حد سواء، لا يظهر بشكل واضح في المؤشرات الرسمية، ولا ينعكس حضوراً فعلياً للنساء في دوائر صنع القرار الاقتصادي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا الدور: هل يمثل انتقالاً حقيقياً نحو مشاركة اقتصادية متوازنة، أم أنه استجابة اضطرارية لانهيار طويل الأمد في البنية الاقتصادية؟

تحوّل قسري في سوق العمل

تشير الباحثة الاقتصادية مريم القادري في حديث لـ”963+” إلى أن دخول النساء بقوة إلى سوق العمل لم يكن نتيجة سياسات اقتصادية مخططة أو برامج تمكين مستدامة، بل جاء كاستجابة مباشرة لواقع معيشي ضاغط. فقبل عام 2011، كانت مشاركة المرأة في الاقتصاد السوري محدودة نسبياً لكنها أكثر استقراراً، ومتركزة في قطاعات التعليم والصحة والوظائف الحكومية، مع حد أدنى من الحماية القانونية والأمان الوظيفي.

لكن الحرب، وفق القادري، أعادت تشكيل سوق العمل بالكامل. ومع فقدان مئات آلاف الرجال لمصادر دخلهم، انتقلت مسؤولية الإعالة إلى النساء بشكل مفاجئ، ما دفعهن إلى الانخراط في أنشطة اقتصادية جديدة، معظمها خارج الإطار الرسمي، مثل الأعمال المنزلية المدفوعة، التصنيع الغذائي، الخياطة، الزراعة الموسمية، البيع المباشر، والخدمات الصغيرة، إضافة إلى مشاريع فردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ورغم اتساع هذا النشاط، بقيت غالبية هذه الأعمال بلا عقود أو ضمان اجتماعي، وفي بيئات عمل تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية، ما جعل النساء أكثر عرضة للاستغلال وتقلبات السوق، خاصة في ظل معدلات تضخم تجاوزت 100% سنوياً في بعض الفترات.

أرقام تعكس مفارقة عميقة

تظهر البيانات المتاحة حجم التناقض بين الدور الفعلي للمرأة ومكانتها في الاقتصاد الرسمي. فوفق تقارير أممية حديثة (2025)، تُعيل امرأة واحدة من كل ثلاث أسر سورية تقريباً، بينما لا تتجاوز مشاركة النساء في سوق العمل الرسمي 13–15%. كما تعمل أكثر من 70% من النساء العاملات دون عقود، وتصل فجوة الأجور بين النساء والرجال إلى نحو 30%.

اقتصادياً، تعني هذه الأرقام أن النساء يشاركن بشكل واسع في الإنتاج وتوفير الدخل، لكن دون اعتراف مؤسسي أو حماية قانونية. فالاقتصاد السوري يعتمد اليوم بدرجة كبيرة على القطاع غير المنظم، وهو المجال الذي يستوعب النسبة الأكبر من عمل النساء، سواء في الأحياء الشعبية أو القرى أو المخيمات. ورغم أن هذا القطاع يوفر دخلاً سريعاً، إلا أنه يظل غير مستقر، ويُبقي العاملات فيه ضمن دائرة هشاشة دائمة.

بين “التمكين” وإدارة الأزمة

من جانبها، ترى الباحثة الاجتماعية سهام مروان أن تزايد عمل النساء لا يمكن فصله عن كونه آلية اجتماعية لامتصاص آثار الأزمة الاقتصادية، أكثر من كونه تحولاً تنموياً متكاملاً. وتوضح في تصريح لـ”963+” أن كثيراً من المجتمعات ما زالت تنظر إلى عمل المرأة كحل مؤقت، لا كمسار مهني طويل الأمد، فيما يدفعها الواقع لقبول أجور منخفضة وشروط عمل قاسية حفاظاً على استقرار الأسرة.

وتشير مروان إلى أن عشرات المبادرات والمشاريع تُطلق تحت عنوان “التمكين الاقتصادي للمرأة”، لكن على الأرض لا تزال المشكلات الأساسية قائمة: غياب العقود، ضعف الضمان الاجتماعي، وعدم وجود حد أدنى فعلي للأجور أو حماية من الفصل والاستغلال. وبهذا المعنى، يتحول الخطاب التنموي أحياناً إلى غطاء لتطبيع العمل الهش بدل معالجته.

وتحذر مروان من أن غياب سياسات واضحة لعمل النساء لا ينعكس فقط على أوضاعهن، بل يسهم في إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال، من خلال عمالة الأطفال، وتراجع التعليم، وعدم الاستقرار الاجتماعي.

قصص من الواقع

تعكس شهادات نساء سوريات هذا الواقع المركّب. فدوى (42 عاماً) من ريف دمشق، أصبحت المعيل الوحيد لعائلتها بعد إصابة زوجها، وتدير اليوم مشروعاً منزلياً لصناعة المربيات. تقول إن العمل لم يكن خياراً بل ضرورة، ورغم القبول الاجتماعي النسبي، ما زالت تواجه صعوبات اقتصادية وغياب أي حماية.

وفي حمص، تعمل سميرة (36 عاماً) في الخياطة وبيع المنتجات المحلية بعد فقدان زوجها في الحرب. تعمل لساعات طويلة، ودخلها بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية، لكنها تعتبره السبيل الوحيد لاستمرار أسرتها.

في المقابل، برزت مسارات مختلفة عبر المشاريع الصغيرة والتجارة الإلكترونية، كما في تجربة هيفاء (28 عاماً) التي تدير متجراً عبر “فيسبوك ماركت”. ورغم أن الإنترنت فتح آفاقاً جديدة، إلا أن هذه المشاريع، بحسبها، تبقى هشة دون دعم قانوني وتشريعي.

إعادة الإعمار وسؤال الشراكة

مع تصاعد الحديث عن إعادة الإعمار، يطرح خبراء اقتصاديون تساؤلات حول موقع المرأة في المرحلة المقبلة. ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد أن النساء، رغم وجودهن في صلب النشاط الاقتصادي اليومي، ما زلن غائبات إلى حد كبير عن غرف التجارة واتحادات الأعمال ومراكز صنع القرار.

ويحذر مراد من أن إعادة إعمار لا تدمج النساء في التخطيط والتمويل والتنفيذ ستعيد إنتاج الاختلالات القديمة نفسها، مضيفاً أن تمجيد “صمود المرأة” دون إصلاحات اقتصادية حقيقية يحوّل المعاناة إلى فضيلة، ويُخفي فشل السياسات خلف قصص فردية مؤثرة.

مشاركة قائمة… لكن بشروط

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت المرأة جزءاً من الاقتصاد السوري، بل كيف تُدار هذه المشاركة. فإما أن تبقى في الظل، ضمن اقتصاد هش بلا حماية ولا أفق، أو أن تتحول إلى رافعة حقيقية للتعافي الاقتصادي عبر سياسات تضمن العدالة، والحماية، والتمثيل في صنع القرار.

بين اقتصاد الضرورة واقتصاد الفرص، تقف المرأة السورية في موقع مركزي، لا كقضية اجتماعية هامشية، بل كعنصر أساسي في أي مسار تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

اقرأ أيضاً:أسعار المحروقات في سورية بين سعرين للدولار وواقع معيشي هش

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.