سوريا بعد الحرب: طريق طويل نحو هدم آخر خيمة للنازحين

مع حلول كل شتاء، تتجدد المعاناة الإنسانية لسكان المخيمات في شمال غربي سوريا، حيث يعيش آلاف العائلات في خيام غير مجهزة لمواجهة البرد القارس، ما يزيد من أعباء الحياة اليومية على أهالٍ لا يجدون أدنى مقومات الحياة. وبينما انتهت الحرب في مساحات واسعة من البلاد، لا يزال الطريق أمام هدم آخر خيمة وإعادة النازحين إلى مساكنهم الأصلية طويلاً، وسط أزمات اقتصادية خانقة وقرى وبلدات مدمرة أو غير صالحة للسكن.

الواقع في المخيمات

يعيش مدحت أحمد العلوش وعائلته في مخيم “تجمع لأجلكم” بين قريتي قاح وعقربات بريف إدلب، بعد أن وجد قريته الأصلية في ريف حماة غير صالحة للعيش. يقول أحمد، الذي يعمل مدرسًا ويتقاضى راتبًا شهريًا لا يتجاوز 125 دولارًا، إن المخيم يفتقر إلى الماء والخبز والسلال الإغاثية، فيما تتضرر المباني الأسمنتية التي بناها السكان إثر هطول الثلوج.

مشابهة لمعاناة أحمد، يعيش بسام العبدو مع والديه وإخوته وأولاده الثمانية في مخيم “الكرامة”، حيث يفتقر المخيم إلى المياه والدعم الغذائي الكافي، ويعتمد السكان على موارد محدودة للغاية لتأمين التدفئة، أحيانًا بحرق الأحذية أو القماش.

أعداد المخيمات والنازحين

رغم انتهاء العمليات العسكرية بعد سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، لا تزال المخيمات قائمة، ويعيش نحو 1.79 مليون شخص في 1782 مخيمًا شمال غربي وشمالي شرقي سوريا، وفق تقرير للأمم المتحدة صدر في نوفمبر 2025. يعيش 90% من السوريين تحت خط الفقر، بينهم 70% تحت خط الفقر المدقع، مما يعقد عملية العودة.

عوائق العودة

تواجه عودة النازحين عدة تحديات، أبرزها الدمار الشامل للبيوت والبنية التحتية، وارتفاع تكاليف إعادة البناء، إضافة إلى محدودية فرص العمل والدخل المتدني. يوضح سليمان أبو داود من دير الزور أن المنزل الذي كان يملكه يحتاج إلى إعادة تأهيل بتكلفة 4000 دولار، وهو مبلغ يفوق قدراته المالية، فيما يشير غضبان أبو حمزة إلى ارتفاع أسعار العقارات إلى خمسة أضعاف قيمتها قبل الحرب، ما يحول حلم العودة إلى مستحيل.

الأمين العام المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري، أشار إلى أن عدد المنازل المدمرة كليًا أو جزئيًا يقارب مليوني منزل، بينها 375 ألف منزل دُمّر بالكامل، فيما تتراوح تكلفة إعادة الإعمار بين 140 و345 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي، وتشمل السكن والمرافق والمنشآت والبنية التحتية.

الواقع الاقتصادي والمعيشي

النازحون في المخيمات يواجهون ضغوطًا اقتصادية هائلة، مع انخفاض الأجور اليومية وغلاء فاحش في السلع الأساسية. ويؤكد بشار السعد أن العودة الطوعية والآمنة لا تتحقق بمجرد توقف العمليات العسكرية، بل تحتاج إلى أمان معيشي حقيقي من خلال فرص عمل عادلة وضبط أسعار السلع، ودعم مشاريع إعادة البناء.

من جانبه، يوضح جاسم العلي من ريف حلب أن تكلفة تراخيص البناء المرتفعة تحول دون إعادة إنشاء المنازل، رغم امتلاكه الأرض، ما يعكس تحديات إضافية أمام النازحين في تأمين سكن لائق لأسرهم.

شلل خدمي وحاجة لمقاربة مستدامة

يبرز الواقع الخدمي في المدن والقرى المحررة كحاجز أمام العودة، مع شبكات مياه معطلة وانقطاع الكهرباء وقطاع صحي ضعيف. ويصف منهل العياش من ريف حماة العودة إلى منزله بلا خدمات أساسية بأنها “حكم بالانتحار المعيشي على الأطفال”.

في هذا الإطار، تركز الحكومة والمنظمات الإنسانية جهودها على دعم عاجل ومؤقت للمخيمات، عبر توزيع مواد التدفئة والبطانيات وتحسين شبكات تصريف المياه، لكنها جهود محدودة لا ترقى لإعادة تأهيل البنية التحتية بشكل كامل.

خطط لإغلاق المخيمات تدريجيًا

تتبنى وزارة الشؤون الاجتماعية خطة وطنية تحت شعار “وطن بلا خيمة”، تهدف إلى إلغاء المخيمات تدريجيًا، من خلال دعم مشاريع إعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية الأساسية، وتشجيع العودة الطوعية للنازحين إلى مناطقهم الأصلية. وتتم العملية بالتنسيق مع المحافظات والمنظمات الإنسانية، مع تشكيل لجان مشتركة واعتماد قواعد بيانات دقيقة لتحديد المستفيدين، وفق عبد الرحمن جنيد، معاون مديرة الشؤون الاجتماعية بإدلب.

وأشار جنيد إلى أن أبرز التحديات تتمثل في محدودية التمويل، وضعف البنية التحتية داخل المخيمات، واعتمادها الكبير على المساعدات الخارجية، ما يفرض صعوبات في استدامة البرامج المطروحة.

جهود المجتمع المدني

تسعى فرق تطوعية مثل “ملهم التطوعي” إلى دعم النازحين عبر حملات موسمية، منها حملة “حتى آخر خيمة” لإنهاء معاناة المخيمات وإعادة الناس إلى بيوتهم، وحملة “خيرك دفا” لتوفير التدفئة خلال الشتاء، لكنها جهود مكملة تواجه تحديات التمويل وتوسيع رقعة الاحتياجات.

مع استمرار الشتاء وارتفاع أسعار المعيشة، يبقى هدم آخر خيمة في سوريا هدفًا بعيد المنال، يتطلب تنسيقًا حكوميًا واسعًا، استثمارات ضخمة في إعادة الإعمار، وحلولًا اقتصادية مستدامة تتيح للنازحين العودة إلى بيوتهم بكرامة، بعيدًا عن الاعتماد على المخيمات المؤقتة التي تحولت مع مرور الوقت إلى واقع دائم.

اقرأ أيضاً:شتاء قاسٍ في مخيمات شمال وشمال غربي سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.