تصريحات اقتصادية للرئيس السوري تثير الجدل حول دقة البيانات الرسمية وثقة المستثمرين

في وقت تحاول فيه دمشق إعادة تسويق نفسها كوجهة محتملة للتعافي الاقتصادي وجذب الاستثمارات، أثارت تصريحات اقتصادية منسوبة إلى الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع موجة واسعة من الجدل، أعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول دقة الأرقام الرسمية، وموثوقية الخطاب الاقتصادي، وتأثير ذلك على ثقة الأسواق وصنّاع القرار.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة، إذ لا يُنظر إلى الأرقام الصادرة عن رأس السلطة التنفيذية بوصفها مواقف سياسية فقط، بل باعتبارها مؤشرات مرجعية تُبنى عليها قرارات استثمارية وتقييمات مخاطر طويلة الأجل.

فجوة بين الخطاب الاقتصادي والواقع الإحصائي:

الباحثة الاقتصادية رشا سيروب اعتبرت أن المقاطع المتداولة من مقابلة الرئيس الشرع مع قناة “الشمس”، والتي أعادت القناة الإخبارية السورية بثها، كشفت عن فجوة مقلقة بين الخطاب الاقتصادي المعلن والوقائع الإحصائية المعروفة.

وأوضحت سيروب، في منشور على حسابها في “فيسبوك”، أن الحديث عن بلوغ “الإنتاج المحلي” السوري نحو 160 مليار دولار يفتقر إلى أساس رقمي واضح، ويتناقض مع المسار التاريخي للاقتصاد السوري، حتى في أفضل فتراته قبل عام 2011.

وبحسب تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لم يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي السوري 64 مليار دولار في ذروة الاستقرار النسبي قبل اندلاع الحرب، ما يثير تساؤلات حول طبيعة الرقم المعلن ومصدره.

غياب تعريف المفاهيم الاقتصادية:

وترى الباحثة أن الإشكالية لا تكمن في ضخامة الرقم فقط، بل في غياب تعريفه بدقة، متسائلة:

1- هل المقصود الناتج المحلي الإجمالي؟

2- أم قيمة تقديرية للإنتاج المحتمل؟

3- أم رقم افتراضي مرتبط بمرحلة مستقبلية مشروطة؟

وتؤكد أن عدم التمييز بين هذه المفاهيم يربك قراءة الواقع الاقتصادي السوري، ويضعف قدرة المستثمرين والمؤسسات الدولية على تقييم بيئة الأعمال والمخاطر المحتملة.

تضارب التصريحات حول إنتاج النفط السوري:

تتجلى هذه الإشكالية، وفق سيروب، بشكل أوضح في ملف النفط السوري، الذي يُعد من أكثر القطاعات حساسية في أي تقييم للتعافي الاقتصادي.

فقد سبق للرئيس الشرع أن صرّح، في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2025، خلال جلسة حوارية على هامش منتدى “مستقبل الاستثمار” في الرياض، بأن إنتاج سوريا النفطي يبلغ مليون برميل يوميًا.

غير أن تصريحات لاحقة تحدثت عن إنتاج يتراوح بين 400 و600 ألف برميل يوميًا، مع إمكانية الوصول إلى مليون برميل في حال إدخال معدات حديثة، وهو ما تصفه سيروب بأنه خلط بين أرقام تاريخية، وطاقات نظرية، وسيناريوهات مستقبلية غير متحققة.

ماذا تقول البيانات الدولية عن النفط السوري؟

تستند الباحثة إلى بيانات شركة بريتش بتروليوم (BP)، باعتبارها مرجعًا دوليًا في إحصاءات الطاقة، حيث تُظهر تقاريرها أن:

1- ذروة الإنتاج النفطي السوري بلغت نحو 677 ألف برميل يوميًا عام 2002

2- تراجع الإنتاج تدريجيًا ليصل إلى 353 ألف برميل يوميًا عام 2011

وتشير إلى أن هذا التراجع حصل رغم الاستقرار السياسي النسبي والعلاقات الخارجية الأوسع آنذاك، ما يجعل الحديث عن قفزات إنتاجية كبرى في المرحلة الراهنة بحاجة إلى تفسيرات تقنية واستثمارية دقيقة.

الضبابية الداخلية قبل فقدان الثقة الخارجية:

تحذّر سيروب من أن تضارب الأرقام لا يؤثر فقط على صورة الدولة في الخارج، بل يعمّق حالة الضبابية داخل السوق المحلية، حيث يعتمد المستثمرون المحليون على الخطاب الرسمي في بناء توقعاتهم.

وتؤكد أن أي مستثمر، محلي أو أجنبي، يحتاج إلى بيانات قابلة للتحقق، وإلى سردية اقتصادية واضحة تميّز بين الواقع الاقتصادي الحالي ,الطموحات المستقبلية ,السيناريوهات المشروطة بتسويات سياسية أو تدفقات استثمارية

دروس من تجارب دول ما بعد النزاعات:

تلفت الباحثة إلى أن تجارب دول خارجة من النزاعات، مثل العراق وليبيا، أظهرت أن غياب جهاز إحصائي مستقل وتضارب التصريحات الرسمية كانا من أبرز أسباب تعثر تدفق الاستثمارات وارتفاع كلفة المخاطر لسنوات طويلة.

وترى أن سوريا أكثر هشاشة في هذا السياق، في ظل تآكل البنية المؤسسية وتعدد مراكز القرار خلال سنوات الحرب.

الدقة الإحصائية شرط لاستعادة الثقة:

وتخلص سيروب إلى أن المشكلة لا تتعلق بتصريح أو شخص بعينه، بل بـ منظومة إنتاج البيانات الاقتصادية وآليات تدقيقها قبل إعلانها.

وتشدد على أن تصريحات الرؤساء، في الدول الساعية إلى إعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي، تُعد بيانات سيادية بامتياز، يجب أن تمر عبر فرق فنية متخصصة، وأن تستند إلى مصادر موثوقة ومعايير شفافة.

وترى أن إعادة الاعتبار للدقة الإحصائية وبناء خطاب اقتصادي منضبط يشكلان شرطًا أساسيًا لاستعادة الثقة، ومنح أي حديث عن التعافي الاقتصادي السوري حدًا أدنى من المصداقية.

إقرأ أيضاً: تصاعد التوتر في الساحل السوري: أزمة أمنية أم اقتصادية أم صراع سياسي إقليمي؟

إقرأ أيضاً: إعادة ترتيب الأصول الاقتصادية في سوريا: بين المصادرة والتسوية

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.