الشرق السوري.. من السيطرة إلى الفرص الاقتصادي

مع إعلان الحكومة السورية استعادة السيطرة على مساحات واسعة من المناطق الشرقية التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، عاد ملف الزراعة إلى صدارة النقاش الاقتصادي، باعتباره أحد المفاتيح القليلة القادرة على إحداث تحول فعلي في اقتصاد يعاني اختلالات عميقة نتيجة الحرب الطويلة التي دمرت معظم البنى التحتية.
فالشرق السوري، الممتد عبر محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، لا يمثل مجرد مساحة جغرافية، بل يشكل تاريخياً العمود الفقري للأمن الغذائي في البلاد، والمصدر الرئيسي للمحاصيل الاستراتيجية التي افتقدتها الدولة خلال سنوات طويلة، بحسب خبراء زراعة.

ومع تحرير مشاريع ري كبيرة مثل القطاع السادس في دير الزور، يظهر حجم الرهان الاقتصادي المتاح في هذا التحول، إذ يُعد المشروع من أهم مشاريع الإرواء في شرق المحافظة، ويغذي مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي بقيت خارج الخدمة لسنوات.

اختبار المياه والأمن الغذائي

وفق بيان وزارة الموارد المائية السورية، تحركت كوادر الهيئة العامة للموارد المائية فور تأمين الموقع، بالتعاون مع المجتمع المحلي، لحماية مشروع ري القطاع السادس، بالإضافة إلى تأمين محطة الصفحة ضمن مشروع جر مياه قناة الصّوَر. ومع ذلك، تعرضت المحطة الثانية لأضرار نتيجة التعديات خلال الفترة الماضية، بسبب بعدها عن التجمعات السكانية.
يمتد مشروع ري القطاع السادس على مساحة تقارب 12 ألف هكتار، ويضم محطتين تحتوي كل منهما على سبع مجموعات ضخ، إضافة إلى نحو 12 مأخذاً على القناة الرئيسية التي يبلغ طولها 15 كيلومتراً.

ورغم أن إعادة تشغيله الكامل تحتاج إلى أعمال صيانة وتأهيل، فإن تحرير المشروع يطرح سؤالاً مركزياً حول دلالات استعادة هذه المشاريع على الاقتصاد السوري.
يقول المدير التنفيذي لشركة “أكمافيد” العاملة في الإنتاج والتصنيع الزراعي، مهند الأصفر، إن المناطق الشرقية كانت قبل عام 2011 القلب النابض للزراعة السورية، حيث جاءت النسبة الأكبر من إنتاج القمح من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، ما مكّن سورية من تحقيق الاكتفاء الذاتي وحتى تصدير الفائض.

وأضاف الأصفر أن محافظة الحسكة وحدها كانت تساهم بنحو ثلث إنتاج القمح الوطني، إلى جانب دورها المحوري في إنتاج القطن والشعير والمحاصيل العلفية التي تدعم الثروة الحيوانية، مؤكداً أن هذه الكتلة الإنتاجية كانت ركيزة للاستقرار الاقتصادي، سواء من حيث استقرار أسعار الغذاء أو تقليص فاتورة الاستيراد.
لكن هذه القدرة الإنتاجية خرجت عملياً من يد الدولة خلال سنوات سيطرة “قسد”، ما انعكس مباشرة على الأمن الغذائي.

وأوضح الأصفر أن الدولة حُرمت من الجزء الأكبر من محاصيلها الاستراتيجية، إذ تراجعت الكميات المسلّمة للمؤسسات الرسمية إلى مستويات متدنية، بينما انخفض الإنتاج الإجمالي بفعل غياب الدعم الحكومي وتضرر البنية التحتية الزراعية وتكرار مواسم الجفاف. وأشار إلى أن إنتاج القمح في هذه المناطق خلال السنوات الأخيرة لم يتجاوز بضع مئات الآلاف من الأطنان.

اختلالات بنيوية عميقة

يأتي تحرير المناطق الشرقية في لحظة حساسة للاقتصاد السوري، الذي يواجه اختلالات بنيوية تمثلت في ضعف القدرة الإنتاجية، اتساع العجز في الميزان التجاري، تراجع قيمة العملة، وارتفاع كلفة الاستيراد، خاصة في ملفي الغذاء والطاقة. وفي ظل محدودية القطاعات القادرة على إحداث اختراق حقيقي، تبرز الزراعة كأحد المسارات القليلة لإعادة تدوير عجلة الاقتصاد من الداخل.
ويرى الخبير الاقتصادي أيمن ديوب لموقع “العربي الجديد” أن أهمية ما جرى تكمن في أنه يعيد فتح نافذة على الاقتصاد الحقيقي، وليس على اقتصاد الطوارئ الذي فُرض خلال سنوات الانقسام.

وأوضح أن فقدان الدولة السيطرة على المناطق الشرقية لم يكن مجرد خسارة إنتاج زراعي، بل خسارة لقدرتها على إدارة دورة اقتصادية متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والتسعير والدعم، مضيفاً أن غياب هذه المناطق عن المنظومة الرسمية ساهم في تعميق عجز الميزان التجاري وزيادة الضغط على العملة الوطنية.
ويشير ديوب إلى أن استعادة الشرق، إذا ما أُدير اقتصادياً بشكل صحيح، يمكن أن تشكّل نقطة انعطاف في بنية الاقتصاد الكلي، عبر تخفيف فاتورة الاستيراد الغذائي والطاقة، وتحسين إدارة الدعم، وتعزيز الأمن الغذائي، وهي عناصر مترابطة تؤثر مباشرة في معدلات التضخم والاستقرار الاجتماعي.

لكنه حذر من أن غياب التخطيط قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الاختلالات نفسها داخل الجغرافيا المستعادة.

مكاسب مؤجلة

تعتبر منطقة الجزيرة السورية، ولا سيما الحسكة ودير الزور والرقة، السلة الغذائية لسورية، إذ تنتج سنوياً أكثر من مليوني طن من القمح، ما يشكل نحو 55% من إجمالي الإنتاج الوطني، إضافة إلى أكثر من 500 ألف طن من القطن، بما يعادل نحو 78% من إنتاج القطن السوري.

كما تضم المنطقة عدداً من أكبر صوامع الحبوب في البلاد، بطاقة تخزينية تقديرية تتراوح بين 1.5 و2 مليون طن، ما كان يمكن أن يؤمن مخزوناً استراتيجياً يخفف تقلبات السوق ويحد من الهدر، لولا خروج معظم هذه الصوامع عن السيطرة الرسمية خلال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، اعتبر وزير المالية محمد يسر برنية أن عودة منطقة الجزيرة إلى سيادة الدولة تمثل تحوّلاً استراتيجياً ينعكس مباشرة على الموارد المالية والموازنة العامة وخطط إعادة الإعمار.

وأشار إلى أن الموازنة العامة لعام 2025 حققت فائضاً مالياً بسيطاً هو الأول منذ عقود، نتيجة سياسة ضبط الإنفاق واتباع إدارة رشيدة للمال العام، مؤكداً أن عودة خيرات الجزيرة من النفط والغاز والثروات الزراعية والحيوانية ستوفر حيزاً مالياً يسمح بالتوسع في الإنفاق الاستثماري.
ويمتد الأثر الاقتصادي للزراعة والمياه إلى قطاع الطاقة، إذ تفتح استعادة السدود والمنشآت الكهرومائية في الشرق والشمال الشرقي سيناريو موازياً لا يقل أهمية عن الزراعة، فسدّ الفرات وتشرين كانا يرفدان الشبكة الكهربائية قبل الحرب بطاقة تتراوح بين 800 و1000 ميغاواط، ما يعني أن إعادة دمجهما في الشبكة الوطنية قد تخفف من عجز الكهرباء وتخفض كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي.
ورغم هذه الإمكانات، لا يتوقع الخبراء تحسناً فورياً في الأسواق، إذ تحتاج عودة الإنتاج الزراعي إلى موسم كامل على الأقل.

وتقول مهندسة الاقتصاد الزراعي ليندا عاصي إن الأثر الإيجابي لتحرير المناطق الشرقية سيبقى في المدى القصير نفسياً أكثر منه فعلياً، لكنه قد يتحول إلى مكسب حقيقي على المدى المتوسط إذا أُديرت الموارد بكفاءة.

 

اقرأ أيضاً:السورية للبترول تعلن برنامجًا لإعادة تأهيل الحقول النفطية

اقرأ أيضاً:اتفاق دمشق و«قسد» وتداعياته الاقتصادية: هل يشكّل مدخلًا لإعادة بناء الاقتصاد

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.