جدل دستوري واسع في سوريا بعد مرسوم العفو العام رقم 39 لعام 2026
أثار المرسوم التشريعي رقم (39) لعام 2026، الذي أصدره الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع مساء الأربعاء، موجة انتقادات حادة في الأوساط الحقوقية والقانونية، وسط اتهامات بتجاوز الصلاحيات الدستورية ومخالفة أحكام الإعلان الدستوري المؤقت.
ويقضي المرسوم بمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدوره، متضمناً تخفيضات واسعة على العقوبات الجنائية، وإعفاءات كاملة في عدد من الجنح والمخالفات، وفق محددات زمنية وقانونية.
إلا أن مضمون القرار وتوقيته فتحا باباً واسعاً للجدل، لا سيما في ظل المرحلة الانتقالية الحساسة التي تمر بها البلاد.
انتقادات قانونية: “تجاوز للصلاحيات الدستورية”:
قال عضو المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية أنور البني إنها “المرة الأولى التي يتصرف بها الشرع كزعيم ميليشيا وليس كرئيس دولة منذ استلامه الرئاسة الانتقالية في سوريا، كنت أتمنى ان لا يسقط بهذا الخطأ”.
واعتبر البني أن إصدار عفو عام لا يستند إلى نص صريح في الإعلان الدستوري يمثل “سابقة خطيرة” منذ تسلّم الشرع مهامه.
وأشار إلى أن الإعلان الدستوري لم يمنح الرئيس الانتقالي صلاحية إصدار عفو عام، بل قيد صلاحياته بشكل واضح، في خطوة اعتُبرت حينها مؤشراً إيجابياً نحو ضبط السلطة التنفيذية واحترام مبدأ الفصل بين السلطات.
وبحسب منتقدي القرار، فإن العفو العام من صلاحيات مجلس الشعب حصراً، وفق المادة (30/ج) من الإعلان الدستوري، في حين تنص المادة (40) على أن صلاحية الرئيس تقتصر على منح العفو الخاص ورد الاعتبار.
ميشيل شماس: “السرقة ليست نزاعاً مالياً يُحل بالمصالحة”:
المحامي والقانوني ميشيل شماس وجّه بدوره انتقاداً لاذعاً للمرسوم، معتبراً أن إعفاء مرتكبي جرائم كالسرقة من العقوبة لمجرد إسقاط الحق الشخصي أو دفع التعويض يُفرغ العدالة من مضمونها.
وقال إن السرقة لا تُعد مجرد علاقة مالية بين شخصين، بل اعتداءً على النظام العام وتهديداً للسلم الاجتماعي. وأضاف أن ربط الإفلات من العقوبة بدفع المال يفتح الباب أمام:
1- تكريس اللامساواة أمام القانون.
2- إضعاف الردع العام.
3- ممارسة ضغوط على الضحايا لإسقاط حقوقهم.
واعتبر أن سوريا “بحاجة إلى تشديد العقوبات على اللصوص لا مكافأتهم”، محذراً من أن العفو غير المنضبط قد يقوض ثقة المواطنين بالقضاء.
فراس عابدين: العفو عن جرائم تمسّ أمن الدولة:
من جهته، رأى المحامي فراس عابدين أن إصدار عفو عام كان يستوجب انتظار تشكيل مجلس شعب كامل الصلاحيات، بدلاً من اتخاذ قرار يخالف نص الإعلان الدستوري.
كما أبدى تحفظاً شديداً على شمول المرسوم جرائم منصوص عليها في المواد (263 – 274) من قانون العقوبات السوري رقم 148 لعام 1949، وهي مواد تتعلق بجرائم تمس أمن الدولة، من بينها:
1- حمل السلاح في صفوف العدو ضد سوريا.
2- الاتصال بدول أجنبية أو معاونتها عسكرياً.
3- التحريض على العدوان أو التآمر لاقتطاع أراضٍ سورية.
4- إثارة الحرب الأهلية أو النزاعات الطائفية.
واعتبر أن شمول هذه الجرائم بالعفو يثير مخاوف جدية، إذ قد يُفهم على أنه عفو عن أفعال تمسّ سيادة الدولة ووحدة المجتمع، وأضاف عابدين “بل ويُفهم منه أنه عفو عن مرتكبي هذه الأفعال أنفسهم”.
تساؤلات حول احترام الإعلان الدستوري:
الصحفي محمد السلوم لخّص الجدل الدائر بتساؤل مباشر: “لماذا أُصدر إعلان دستوري إذا لم يكن هناك التزام بنصوصه؟”
ويأتي هذا السجال في مرحلة انتقالية دقيقة تسعى فيها البلاد إلى ترسيخ قواعد حكم تقوم على سيادة القانون والفصل بين السلطات. ويرى مراقبون أن أي التباس في تفسير الصلاحيات الدستورية قد يؤثر سلباً على الثقة الشعبية بمسار بناء مؤسسات الدولة.
بين ضرورات المرحلة ومخاوف العدالة:
في حين قد يُنظر إلى العفو العام كأداة لاحتواء ملفات قضائية متراكمة أو لتهيئة مناخ سياسي جديد، يؤكد منتقدوه أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تقوم على قرارات تتجاوز المرجعية الدستورية أو تمسّ بجرائم خطيرة تتعلق بالأمن القومي.
وبين من يعتبر القرار خطوة سياسية في سياق إعادة ترتيب المشهد الداخلي، ومن يراه تجاوزاً دستورياً يهدد مبدأ سيادة القانون، يبقى مرسوم العفو رقم (39) محور جدل قانوني وسياسي مرشح للتصاعد في الأيام المقبلة.
إقرأ أيضاً: «نعتبر نفسنا تقريباً دولة» يشعل غضباً واسعاً ويضع وزير الإعلام في مرمى المطالبات بالإقالة
إقرأ أيضاً: وزير الاتصالات يصف رفع أسعار الباقات بـ”الهفوة الإدارية” ويثير جدلاً شعبياً