انسحاب «شل» من حقل العمر النفطي في سوريا يثير تساؤلات حول مستقبل الاستثمار الأجنبي
بعد ساعات من إعلان الحكومة السورية الانتقالية استعادة السيطرة على حقل «العمر» النفطي في كانون الثاني الماضي، كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للبترول» أن شركة شل البريطانية طلبت الانسحاب من الحقل ونقل حصتها إلى الجهات الحكومية المعنية، ما فتح باب التساؤلات حول أسباب هذه الخطوة وتداعياتها على قطاع النفط السوري.
ويُعدّ حقل «العمر» من أكبر الحقول النفطية في سوريا، وكان يشكّل ركيزة أساسية لإنتاج شركة «الفرات للنفط»، المشروع المشترك بين «شل» ووزارة النفط السورية، والقائم على عقود تقاسم الإنتاج منذ ثمانينيات القرن الماضي.
هل هو قرار سياسي أم اقتصادي؟
في ظل غياب توضيحات رسمية من الشركة السورية للبترول، تعددت التفسيرات. فبينما رأى البعض أن الانسحاب قد يكون استجابة لتوجهات حكومية جديدة لتعزيز حضور شركات نفط أميركية، رجّح خبراء أن القرار يعود إلى مراجعة اقتصادية أجرتها الشركة بشأن جدوى استمرار الاستثمار.
ووفق خبير نفطي سوري عمل لسنوات مع شركات أجنبية، فإن «شل» توصلت إلى قناعة بأن استثمار الحقول التي اكتشفتها في سوريا لم يعد مجدياً اقتصادياً، في ظل تراجع الإنتاج والاحتياطات، مقارنة بأولوياتها العالمية بوصفها من كبرى شركات الطاقة في العالم.
من ذروة الإنتاج إلى مرحلة “شيخوخة الحقول”:
دخلت «شل» السوق السورية قبل نحو 45 عاماً، وأسست مع الحكومة شركة «الفرات للنفط»، حيث تمكنت من اكتشاف نحو 38 حقلاً نفطياً، أبرزها حقل «العمر».
وفي ذروة الإنتاج عام 1994، بلغ إنتاج الحقول التابعة للشركة نحو 400 ألف برميل يومياً، مستفيدة من الطبيعة الجيولوجية للحقول التي كانت ذاتية التدفق في بداياتها. إلا أن الإنتاج بدأ بالتراجع تدريجياً مع مرور الوقت.
فحقل «العمر»، الذي تجاوز إنتاجه 80 ألف برميل يومياً في بداياته، انخفض إلى نحو 50 ألف برميل عام 2010، ثم تراجع إلى قرابة 5 آلاف برميل يومياً خلال سنوات الحرب.
وتشير المعطيات الفنية إلى أن غالبية الحقول دخلت مرحلة الإنتاج الثانوي المعزز، عبر تقنيات حقن المياه أو الغاز، وهي مراحل مكلفة وتدل على اقتراب الحقول من نهاية عمرها الإنتاجي.
كلفة إعادة التأهيل وضعف الجدوى:
بحسب الخبراء، فإن إعادة تشغيل الحقول اليوم تتطلب عمليات صيانة وإعادة تأهيل واسعة نتيجة الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب، إضافة إلى استخدام تقنيات حديثة لتحسين الاستخراج، ما يرفع الكلفة ويخفض هامش الربح.
وفي ظل احتياطات متبقية محدودة نسبياً، فضّلت «شل» الانسحاب والتركيز على مشاريع استكشاف أكثر جدوى في مناطق أخرى، خاصة أنها استردت استثماراتها السابقة عبر عقود المشاركة بالإنتاج التي امتدت لنحو 30 عاماً وتم تمديدها عام 2008.
هل انتهى الأمل النفطي في سوريا؟
رغم انسحاب «شل»، لا يزال قطاع النفط السوري يمتلك مقومات يمكن البناء عليها. فحقول أخرى كبرى مثل حقل «السويدية» تُقدَّر احتياطاته بين مليار ومليار ونصف مليار برميل، ما يجعله من أبرز الموارد المتبقية.
كما أن استخدام تقنيات حديثة في إعادة تقييم الحقول القديمة قد يعزز الإنتاج مستقبلاً، ويسهم في سد جزء من حاجة الاستهلاك المحلي وخفض فاتورة الاستيراد.
إضافة إلى ذلك، تشير تقديرات خبراء إلى أن مساحات واسعة من الأراضي السورية — قد تصل إلى نصف أو ثلثي مساحة البلاد — لم تخضع لعمليات استكشاف شاملة للنفط والغاز، ما يفتح المجال أمام فرص استثمارية مستقبلية في حال توافر بيئة سياسية واقتصادية مستقرة.
مستقبل الاستثمار الأجنبي في قطاع النفط السوري:
انسحاب «شل» من حقل «العمر» لا يعكس فقط واقع الحقول المتقدمة في العمر، بل يسلّط الضوء أيضاً على التحديات التي تواجه قطاع الطاقة في سوريا، من تراجع الاحتياطات إلى الحاجة لاستثمارات ضخمة وتقنيات متطورة.
وبين اعتبارات السياسة والاقتصاد، يبقى السؤال المطروح: هل يشكّل هذا الانسحاب بداية مرحلة جديدة لإعادة هيكلة قطاع النفط السوري، أم مؤشراً على استمرار عزوف الشركات الكبرى عن الاستثمار في بيئة عالية المخاطر؟
إقرأ أيضاً: احتجاجات في ذيبان بعد إحراق حراقات النفط البدائية بريف دير الزور
إقرأ أيضاً: عودة خط كركوك–بانياس: هل يعيد النفط العراقي رسم خريطة الطاقة بين سوريا والعراق؟