دخلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عامها الحادي عشر منذ الإعلان الرسمي عن تأسيسها في تشرين الأول/أكتوبر 2015 خلال مؤتمر صحفي عُقد في مدينة الحسكة، برعاية أمريكية.
وقد تشكّلت قسد كتحالف عسكري متعدد الأعراق والأديان، ضمّ بالدرجة الأولى قوى كردية، إلى جانب فصائل عربية وسريانية/آشورية، إضافة إلى مجموعات تركمانية وأرمنية وشركسية.
اعتمدت قسد في بنيتها الأساسية على وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ)، المرتبطتين تنظيمياً بـ حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، واللتين شكّلتا العمود الفقري والقيادة العسكرية الفعلية لهذا التشكيل.
وبحسب وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، شكّل الأكراد نحو 40% من قوام قسد مقابل 60% من العرب في عام 2017، رغم تقديرات أخرى تقلل من حجم التمثيل العربي الحقيقي داخلها.
أعلنت قسد عند تأسيسها أن هدفها يتمثل في إقامة سوريا علمانية ديمقراطية فدرالية، متأثرة بتجربة “روجافا”، ونصّ دستور الفدرالية الديمقراطية لشمال سوريا (المحدّث في كانون الأول/ديسمبر 2016) على اعتبار قسد قوة الدفاع الرسمية للإدارة الذاتية.
خلال سنواتها اللاحقة، شهدت قسد تحولات عميقة، فرضتها التغيرات الداخلية في بنيتها، إضافة إلى الضغوط العسكرية والسياسية الإقليمية والدولية المرتبطة بالصراع السوري.
التشكيلة العسكرية والهيكل التنظيمي
تتألف قوات سوريا الديمقراطية من عدد كبير من الفصائل المسلحة، تتصدرها:
- وحدات حماية الشعب (YPG)
- وحدات حماية المرأة (YPJ)
إلى جانب فصائل عربية ومحلية أصغر، كانت قد انضوت سابقاً ضمن غرفة عمليات بركان الفرات التي تأسست عام 2014 لصدّ هجوم تنظيم داعش على مدينة عين العرب (كوباني).
قدّرت الولايات المتحدة عدد مقاتلي قسد عام 2017 بنحو 45 ألف مقاتل، شاركوا في معارك كبرى ضد تنظيم داعش، أبرزها معركة عين العرب (كوباني).
تفكيك الفصائل العربية وضبط البنية الداخلية
عملت قيادة قسد، تدريجياً، على تحجيم أو تفكيك الفصائل العربية داخل صفوفها، خشية تشكّل مراكز قوة منافسة لوحدات YPG وYPJ المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK).
ومن أبرز الأمثلة:
- حلّ لواء ثوار الرقة بعد مداهمة مقراته واعتقال قيادته عام 2018.
- إنشاء مجالس عسكرية محلية (الرقة، دير الزور، الطبقة، منبج) تخضع لقيادات موالية لقسد.
- دعم تشكيلات جديدة موالية لها مثل مجلس هجين العسكري، بما أدى إلى تفكيك الحاضنة العربية المنافسة.
ورغم تعديلات شكلية، بقي مجلس القيادة العسكرية لقسد ثابتاً برئاسة مظلوم عبدي، وعضوية شخصيات مرتبطة مباشرة بـ PKK.
مناطق السيطرة والنفوذ
منذ أواخر عام 2019، سيطرت قسد على نحو 25.6% من مساحة سوريا، شملت أجزاء من محافظات:
- الحسكة
- الرقة
- دير الزور
- حلب
واعتمدت في تثبيت نفوذها على:
- قواعد للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة
- انتشار روسي في الرقة وحلب
- نقاط للجيش السوري السابق على خطوط التماس مع تركيا
إلا أن هذا النفوذ بقي هشّاً، مع تصاعد الوجود الروسي والضغوط التركية المستمرة.
السيطرة على حقول النفط وحرمان الشعب السوري من موارده
شكّلت السيطرة على حقول النفط في شمال وشرق سوريا أحد أبرز ملفات الصراع خلال السنوات الماضية، حيث أدّت سيطرة قسد بدعم خارجي على هذه الحقول إلى حرمان الشعب السوري من مورد اقتصادي سيادي كان من المفترض أن يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتأمين الخدمات الأساسية.
وأثّر خروج حقول النفط والغاز عن سيطرة الدولة السورية بشكل مباشر على قطاع الطاقة والكهرباء، وتسبّب بأزمات معيشية خانقة، في وقت جرى فيه استثمار هذه الموارد خارج إطار المصلحة الوطنية، واستخدامها كورقة ضغط سياسية واقتصادية ضمن الصراع الإقليمي والدولي على سوريا.
وتحوّلت الثروات النفطية من عامل دعم للاقتصاد السوري إلى أداة صراع وتمويل، بينما بقي المواطن السوري المتضرر الأكبر، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع القدرة على تأمين احتياجات الطاقة الأساسية.
الدعم الأمريكي والتحالف الدولي
حصلت قسد على دعم مالي وعسكري ولوجستي واسع من التحالف الدولي، شمل:
- أسلحة ثقيلة
- مدرعات
- تدريب ومناورات مشتركة
- دعم جوي مباشر
وبعد هزيمة داعش عام 2019، ركّز التحالف على دعم وحدات خاصة داخل قسد، مثل:
- وحدات مكافحة الإرهاب (YAT)
- القوات الخاصة (HAT)
برواتب مرتفعة وتدريب نوعي، بهدف الحفاظ على أدوات فعالة لمكافحة الإرهاب بعيداً عن البنية العامة لقسد.
تصاعد تهديد تنظيم داعش
رغم الدعم الكبير، فشلت قسد في القضاء الكامل على خلايا داعش، التي واصلت تنفيذ:
- اغتيالات
- هجمات خاطفة
- عمليات نوعية
وكان أبرزها هجوم سجن الصناعة في الحسكة عام 2022، الذي شكّل ضربة أمنية كبيرة لقسد والتحالف الدولي.
العلاقة مع حزب العمال الكردستاني
شكّل الارتباط العضوي بين قسد وPKK أحد أخطر التحديات، إذ:
- وفّر ذريعة دائمة للتدخل العسكري التركي
- قوض الاستقرار الداخلي
- أدى إلى تصاعد الانتهاكات عبر تنظيمات مثل الشبيبة الثورية
كما فشلت قسد في فك هذا الارتباط، رغم الضغوط الدولية.
العلاقة المتأزمة مع واشنطن
رغم استمرار التعاون ضد داعش، شهدت العلاقة مع الولايات المتحدة:
- تراجعاً في الثقة
- غضّ طرف أمريكي عن الضربات التركية
- صدمة عملية “نبع السلام” 2019
ما دفع قسد لمحاولات تقارب مع روسيا، دون تحقيق بديل استراتيجي فعلي.
الانتهاكات وملف حقوق الإنسان
تورطت قسد في:
- الاعتقال التعسفي
- التعذيب
- تجنيد الأطفال
- فرض مناهج تعليمية بالقوة
كما شهدت السجون ومراكز الاحتجاز أوضاعاً إنسانية متدهورة.
من التوسع إلى الانهيار
بعد سقوط نظام الأسد، دخلت قسد مرحلة التراجع:
- انسحبت من منبج وتل رفعت
- سيطرت على دير حافر ومسكنة
- وقّعت اتفاق 10 آذار مع الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع
إلا أن الاتفاق فشل نتيجة الخلاف على:
- اللامركزية
- الصلاحيات
- دمج القوات
النهاية: حل شبه نهائي
لاحقاً، تم التوصل إلى اتفاق برعاية المبعوث الأمريكي توم باراك، أدى إلى:
- حل قوات سوريا الديمقراطية عملياً
- إنهاء دورها العسكري والسياسي المستقل
- إعادة رسم خريطة النفوذ باتجاه مركزية القرار في دمشق
خلاصة
انتقلت قوات سوريا الديمقراطية من قوة عسكرية مدعومة دولياً إلى كيان تم تفكيكه تدريجياً بفعل:
- الارتباط بـ PKK
- الضغوط التركية
- التحولات الأمريكية
- فشل المشروع السياسي
في مرحلة جديدة تتجه فيها سوريا نحو إعادة توحيد السلطة وإنهاء الكيانات المسلحة الخارجة عن الدولة.
إقرأ أيضاً: الشرع: اتفاقنا مع قسد معركة لا غالب فيها ولا مغلوب بل انتصار لكل السوريين
إقرأ أيضاً: إدارة مخيم الهول: تحركات لنساء داعش; تزامناً مع هجمات قوات الحكومة